%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%b3%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a9

آفاق الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط.. تقرير: موسكو تحاول إيجاد صورة اللاعب الواقعي وغير العقائدي

تسعى روسيا تحت قيادة بوتين إلى استعادة جانب من دورها ونفوذها الدولي، الذي فقدته إثر انهيار الاتحاد السوفيتي السابق الذي كانت تتشكل منه. وتحاول الاستفادة من عدم الرغبة الأميركية في التدخل المباشر في صراعات المنطقة، غير أنها تعلم أن من الصعوبة بمكان تجاوُز الخطوط الحمراء الأميركية، التي ترى في الشرق الأوسط منطقة لنفوذها. ومايزال سقف تدخل روسيا في سورية وغيرها مراعياً لهذه الخطوط، ومتجنباً لأي صراع مباشر مع الأميركان. وفي هذا الإطار تنسج روسيا علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، مع إيران وتركيا وسورية والعراق ومصر و(إسرائيل)، وغيرها.
ومن المحتمل أن يتطور الدور الروسي ضمن أفضل ما يستطيع الروس تحقيقه. وبالرغم مما أبداه الرئيس الأميركي المنتخب ترامب من رغبة في التعاون مع روسيا، إلا أن طبيعته البراجماتية وقاعدته الانتخابية الجمهورية قد تجنح إلى دفْعِه ليكون أكثر تشدداً بما يظهر قوة أميركا وقدرتها على فرْض سياساتها.
دوافع روسيا
من حيث الأهمية، حسب مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في تقديرها الاستراتيجي (94)، حول (آفاق الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط)، في التسلسل الهرمي التقليدي للسياسة الروسية الخارجية، يأتي ترتيب الشرق الأوسط تالياً لأميركا وأوروبا والصين ودول آسيا الصاعدة، لكن بما أن موسكو قد حددت توجهاتها بأنها يجب أن تعود كقوة عالمية عظمى، وأن تنهي النظام العالمي أحادي القطبية، فلايمكن لها أن تتجاهل هذه المنطقة لِما تمثله من موقع جغرافي فريد وتختزنه من ثروات طبيعية هائلة. ورأت في حالة الاضطراب والفوضى في منطقة الشرق الأوسط فرصة لاستعادة مناطق نفوذها التي فقدتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وبالتالي اكتسبت تلك المنطقة صفة (منطقة اختبار)، تختبر فيها روسيا قدرتها في العودة للساحة العالمية كشريك أساسي ومؤثر.
ووفق هذا التصور، يصبح الدافع الجيو/ سياسي هو الدافع الرئيسي وليس الوحيد لاهتمام روسيا بالمنطقة العربية، وهو المنطلق الأساسي الذي على أساسه تَنسج شبكة علاقاتها بدءاً من التدخل العسكري في سورية، والتحالف مع إيران، وعقْد اتفاقيات مع تركيا، والاحتفاظ بعلاقات جيدة مع (إسرائيل)، وليس انتهاءً بالسعي لإقامة علاقات مع العراق ومصر ودول الخليج، وهو دافع مرتبط بالأمن القومي الروسي.
وبطبيعة الحال ليس هذا هو الدافع الوحيد، فبالإضافة لذلك يوجد الدافع الاقتصادي وهو حاضر بقوة ولاسيما عند الحديث عن العلاقات الروسية التركية أو العراقية أو الإيرانية، فالتبادل التجاري بين روسيا وهذه الدول في مستوى عالٍ، وتسعى روسيا لمزيد من الاستثمار، وخصوصاً في مجال الطاقة البديلة والنفط والغاز وصفقات السلاح.
كما يبرز هدف أساسي ثالث وهو محاربة ما يُسمى التطرف والإرهاب، وما يمثله من تهديد أمني على الداخل الروسي، حيث تشير تقارير متفاوتة بوجود ما بين ألفين إلى خمسة آلاف (جهادي) يحملون الجنسية الروسية وينتمون لصفوف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو التنظيمات الجهادية الأخرى.
ولتنظيم الدولة حضور إعلامي قوي في مواقع التواصل الاجتماعي الناطقة بالروسية، وهناك قناعة روسية بأن انتشار التطرف الإسلامي يعزز النزعات الانفصالية داخل روسيا، ويشكل ثغرة يمكن أن يستغلها الغرب لتهديد الأمن القومي الروسي، حيث تزيد نسبة المسلمين في روسيا عن 17% من السكان.
القدرة الروسية
ويرى تقرير مركز الزيتونة، أن هنالك عقبات تحد من القدرة الروسية مثل المُحدِّد الأميركي، فتُعد منطقة الشرق الأوسط بشكل عام منطقة نفوذ أميركي ضمن التقسيمات التقليدية في فترة الحرب الباردة (ثنائية القطبية الأميركية الروسية). وبالرغم من محاولات الروس الدائمة لإيجاد موطىء قدم ودوائر نفوذ وتحالفات، إلا أن الأميركان ظلوا اللاعب الأكبر في المنطقة. وبغض النظر عن الأسلوب الذي أدار به أوباما السياسة الأميركية في المنطقة، وما بدا وكأنه تراجعٌ في الدور الأميركي، إلا أنه لم يحصل تغيُّر على جوهر السياسة الأميركية، بالرغم من سعي الأميركان لتخفيض التكاليف والنأي عن التدخل المباشر.
ويبدو أن التدخل الروسي في سورية لم يتعارض مع السياسة الأميركية في استمرار استنزاف الحكومة والمعارضة السورية، وتغذية الصراع بما يمزّق النسيج الاجتماعي السوري طائفياً وعرقياً، ويدمر الاقتصاد؛ وبما يؤدي لإضعاف الدولة المركزية في سورية لصالح الانقسامات الداخلية التي قد تنشأ عقب أية ترتيبات مستقبلية؛ وهي ترتيبات ماتزال لأميركا يدٌ دولية طُولى فيها مقارنة بالروس. كما أن النظم الحاكمة في المنطقة ماتزال أكثر ميلاً في علاقاتها مع الأميركان مقابل الروس لأسباب مختلفة.
وأضاف التقرير أن ضعف الإمكانيات المادية الروسية، يلعب دوراً بسبب الأزمة المالية الكبيرة التي تتعرض لها موسكو، بسبب تراجع أسعار النفط، والعقوبات الاقتصادية الأوروبية.
كما أن احتمال تمدُّد الحرب في سورية واتساعها، وفي هذه الحالة ستتعرض روسيا لاستنزاف شديد تحاول تجنبه، لأن الثمن الذي سيُدفَع حينها سيكون باهظاً جداً إذا ما قورن بالمكتسبات، وسيعيد ذكريات حرب أفغانستان إلى الرأي العام الروسي. وحتى الآن فالعملية العسكرية الروسية في سورية ماتزال محدودة التكاليف، وهي تقارب تكلفة أية مناورة كبيرة.
وتابع التقرير أن “التعاون الوثيق مع إيران، كما أنه يمثل فرصة لروسيا، إلا أنه أيضاً يمثل عقبة تُقيِّد يدها في المنطقة. فعلى سبيل المثال تحتاج روسيا إلى إيران في مدَّ علاقات اقتصادية قوية مع العراق”.
سيناريوهات المستقبل
ومن خلال استعراض الحراك الروسي في المنطقة، يظهر أن موسكو تحاول إيجاد صورة اللاعب الواقعي وغير العقائدي، الذي يمتلك الخبرة والقوة بما فيه الكفاية، ويمثل الشريك الذي يمكن الوثوق به، والقادر على التأثير في الوضع من خلال ثنائية الدبلوماسية والقوة. وفي هذا الإطار يبرز أمامنا سيناريوهان:
السيناريو الأول: استمرار تمدد الدور الروسي، وهو سيناريو يدعمه ما شهدناه من القدرة على نسْج شبكة علاقات متنوعة ومتشابكة تتفاوت من التحالف الاستراتيجي إلى العلاقات الاقتصادية، مستفيدة في ذلك من التحولات الدولية والإقليمية، والمهارة في التعامل مع الأحداث مثل المبادرة بالتدخل الاستباقي في سورية ومنْع سقوط النظام، واحتواء حادثة إسقاط طائرة الركاب الروسية في سيناء، واستخدام سياسة التصعيد المدروس في احتواء الأزمة مع تركيا إثر إسقاط الطائرة الروسبة العسكرية.
السيناريو الثاني: انحسار الدور الروسي، وهو مرتبط بسير المعارك في سورية، وقدرة ورغبة الدول الداعمة لقوات المعارضة السورية على إحداث تغيُّر استراتيجي في الميدان.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com