9fcfdb44a011a29859d1b20e901c2206

أطفال تعز.. بين الموت جوعاً أو قصفاً..!

تتردد هند حميد على المستشفى اليمني السويدي في مدينة تعز جنوب غربي اليمن، وتقف في طوابير الانتظار طويلاً، حاملة طفلها عصام (أربعة أعوام) حتى يحين دوره للحصول على الدواء الخاص بتكَسُّر الدم.
هند وطفلها حالة من مئات الحالات التي تصل إلى هذا المستشفى الحكومي الوحيد الخاص بالأمومة والطفولة في محافظة تعز، والتي يسكنها قرابة ثلاثة ملايين شخص (من أصل 27.4 مليوناً هم سكان اليمن)، بحثاً عن الأدوية الخاصة بالأطفال الذين يعانون من الحمى والملاريا والإسهال.
وبعينين ذابلتين وجسد منهك، تتنقل هند بطفلها بين عيادات المستشفى، الذي بدت أجزاء منه مدمَّرة إثر سيطرة مسلحي ميليشيا الحوثيين الموسومة (أنصار الله) عليه منتصف العام 2015، قبل أن تستعيده القوات الحكومية والمقاومة الشعبية المدعومة من تحالف عربي تقوده الجارة المملكة العربية السعودية إثر معارك ضارية.

قيمة الدواء

في غرفة نوافذها متهالكة يتزاحم العشرات من الآباء والأمهات مع أطفالهم للحصول على أدوية تقدمها منظمات طبية دولية، في مشهد يعكس حجم المأساة الإنسانية التي تضرب الأطفال في المدينة، التي ماتزال محاصرة من قِبل الحوثيين منذ مطلع العام 2015.
وقالت الأم هند لوكالة أنباء (الأناضول) التركية إن «الفقر فاقم محنتي مع طفلي، فأسرتي التي تعيش على بيع قناني المياه البلاستيكية، لم تستطع أن توفر قيمة الدواء، وخصوصاً مع توقُّف الأعمال واستمرار الحصار».
وبحزن وقلة حيلة تابعت هند: «أحياناً ما نقدر على شراء حبة بنادول (قيمتها نحو 50 ريالاً)، من أجل مواجهة الحمى التي تصيب ابني المريض، ونحن نازخون ولانملك شيئاً، ونعتمد على أهل الخير وأصحاب المنظمات». (الدولار الأمريكي يساوي 250 ريالاً يمنياً بالسعر الرسمي/ و370 ريالاً في السوق السوداء).
ومضت قائلة: «آتي يومياً كي أعالج ابني من تكَسُّر الدم، ويحتاج إبرة (حقنة) قيمتها غالية، وليس بمقدوري توفير قيمتها».

الموت حاضراً

في قسم سوء التغذية بالمستشفى يخيم الموت، فالعشرات من الأطفال كانوا يتنفسون بصعوبة، بينهم أربعة أطفال وصلوا إلى مرحلة سوء التغذية الوخيم، وهو المستوى الذي يُنذِر بالوفاة في أية لحظة.
أحمد الأديمي، وهو رئيس قسم الحواضن، قال لـ(الأناضول) إن «المستشفى هو الوحيد في محافظة تعز، ويستقبل أسبوعياً بين أربعين وخمسين طفلاً مصاباً بسوء التغذية».
وأردف موضحاً أن «هذه الإحصائية المخيفة من مرضى سوء التغذية تصل إلينا من المدينة فقط، أما المرضى في المديريات خارج المدينة فلايستطيعون الوصول إلينا بفعل الحصار».
ولفت إلى أن المستشفى الذي دُمِّر عدد من مرافقه وأجهزته الطبية، كان يستقبل قبل اندلاع الحرب بين 300 و350 طفلاً يومياً «لكن الأطفال لم يكونوا حينها مصابين بسوء التغذية، وكانت الأدوية متوفرة».
ومنذ 26 مارس 2015، تدور الحرب في اليمن بين التحالف الحكومي وتحالف الحوثي وصالح، الذي سيطر على محافظات يمنية، بينها صنعاء في 21 سبتمبر 2014.
وعزا الأديمي انهيار الوضع الإنساني في مدينة تعز إلى «الحصار وقلة المساعدات الإنسانية من المنظمات الإغاثية».
ومضى قائلاً: «نتيجة للحصار انتشرت الأمراض وسوء التغذية بين الأطفال. عشرات الأطفال يموتون من الجوع ومن أمراض يمكن علاجها بسهولة، لكن الحرب المستمرة والحصار المفروض يحوْلان دون إنقاذهم».

قذائف وألغام

ولاتقتصر معاناة الأطفال في تعز على الأمراض، فالعشرات منهم يسقطون في الحرب قتلى وجرحى. وحتى الآن أودت الحرب – بحسب منظمة الأمم المتحدة – بحياة أكثر من عشرة آلاف شخص، وجرحت قرابة أربعين ألفاً آخرين. وحذرت المنظمة في أبريل الماضي من أن ثلث محافظات اليمن الـ22 بات على شفا المجاعة.
ومؤخراً قُتل ثلاثة أطفال وأُصيب رابع جراء سقوط قذيفة مدفعية على منزلهم في حي الجحملية شرقي مدينة تعز.
وقال ماهر العبسي عضو اللجنة الحكومية للتحقيق في الانتهاكات لـ (لأناضول) إن «القذيفة استهدفت الأطفال قرب منزلهم بينما كانوا يلعبون».
وأضاف العبسي أن «الأطفال في مدينة تعز أصبحوا هم الشريحة الأكبر بين الضحايا المدنيين للقصف الذي يشنه الحوثيون على المدينة. وليست لدينا حصيلة محددة، لكن أؤكد أن المئات من الأطفال سقطوا في هذه الحرب».
وأوضح أن «أطفال آخرين أصيبوا بالأمراض النفسية والرِّهاب والرعب، دون أن تقدِّم لهم أية جهة برامج في الدعم النفسي لاجتياز هذه الظروف».
وتابع: «هناك معاناة أخرى للأطفال، وهي الألغام، حيث أُصيب العديد منهم بإعاقات دائمة وبُتِرت أقدامهم وبعضهم لقي حتفه، فهم لايفرقون بين الألعاب والألغام التي خلّفها الحوثيون وقوات صالح في الأحياء السكنية التي انسحبوا منها».
ولخص مأساة الأطفال في مدينة تعز المحاصرة والمليئة بالألغام بأنهم «يعيشون وضعاً مأساوياً، لكنهم مجبرون على العيش وسط المدينة، بسبب عدم قدرة أهاليهم على النزوح».

سوء التغذية

ووفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة الأغذية العالمية (الفاو) في بيان مشترك لهما أصدراه الثلاثاء الموافق 25 أبريل 2017، فإن نصف مليون طفل يمني معرَّضون لخطر الموت إذا لم يحصلوا على رعاية عاجلة وعلاج متخصص، بعد أن بلغت معاناتهم مرحلة سوء التغذية الحاد.
وذكرت المنظمتان الأمميتان أن العنف المستمر «يؤدي إلى تأجيج واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العالم، حيث لايعرف سبعة ملايين يمني تقريباً من أين ستأتيهم وجبتهم التالية، وهم في أمَسِّ الحاجة إلى المساعدات الغذائية».
وأوضحتا أن «قرابة 2.2 مليون طفل يعانون من سوء التغذية، وبلغت معاناة نصف مليون منهم مرحلة سوء التغذية الحاد».
وناشدت (اليونيسف) الجهات المانحة خلال العام الجاري للحصول على مبلغ 236 مليون دولار لبرامج إنقاذ حياة الأطفال في اليمن، حيث لايغطي التّمويل الذي تحصل عليه المنظمتان 20% من احتياجاتهما.
ولم تفلح ثلاث جولات من مشاورات السلام، رعتها الأمم المتحدة، في تحقيق اختراق لحل الأزمة اليمنية.
وبالنيابة عن الأطفال والعائلات اليمنية، دعت المنظمتان إلى إيجاد حل سياسي وفوري لإنهاء الحرب الدائرة في اليمن».
وقد حصلت الأمم المتحدة من مانحين دوليين على تعهدات بدفع مليار ومائة مليون دولار خلال مؤتمر استضافته بمدينة جنيف بسويسرا الثلاثاء الموافق 25 أبريل 2017، لكنها تأمل أن يصل الدعم إلى مليار و800 مليون دولار، وهو المبلغ المطلوب لتنفيذ خطة الاستجابة الإنسانية لليمن العام الجاري.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com