20170914_2_25743438_25866861

إبادة الروهينغا في ميانمار… حرب متعددة المستويات

يلعب الموقع الجيوسياسي المهم لميانمار (بورما) في القارة الصفراء (آسيا) دوراً رئيسياً في تحديد مستويات الصراع المحلية والإقليمية والدولية، ضمن تقاطعات سياسية واقتصادية، تَتَعزز في ضوء خريطة ديموغرافية لمنطقةٍ تتشكل أغلبها من البوذية في الصين، والهندوسية في الهند، مقابل أقلية مسلمة ونصرانية، تتناثر في عدة دول، من بينها ميانمار.
تُسهمُ تلكَ المعادلة شديدة التعقيد في تغذية الصراع الطائفي والعِرْقي الموجَّه ضد مسلمي ميانمار داخلياً، في إقليم أراكان، الأمر الذي دفع هذه الدولة المنعزلة إلى إهمال بيانات الإدانة والتنديد والتهديد بالعقوبات وفرْضها من قِبَل المجتمع الدولي، لأنها تدرك التوازنات القائمة على مختلف المستويات، وأنَّ ثمة حدوداً لعمليات الضغط الموجَّهة إليها في ملف حقوق الإنسان، الذي يُدَوَّلُ عادةً لغايات التوظيف السياسي وتحقيق المصالح الاقتصادية فحسب.
جاء موقع ميانمار ذاتُ الأغلبية البوذية بين عِملاقين آسيويين، هما الهند في الشمال الغربي والصين في الشمال الشرقي، لتبدو مساحتُها بينهما كدولة مجهريةٍ، علاوةً على عدد سكانها البالغ 60 مليون نسمة حسب إحصاء عام 2010، وتشترك تلك الدولة في حدودها مع بنغلادش ولاوس وتايلند، وسواحلُها تطل على خليج البنغال والمحيط الهندي.
ويغذي الصراع الطائفي والعِرْقي في دول جوار ميانمار حملةَ الإبادة الجماعية ضد مسلميها (الروهينغا)؛ إذ إن فتح هذا الملف على المستوى الإقليمي، واستخدامَه ورقةً للمساومةِ، سينعكسُ سلباً على الجميع؛ فالصين وهي حليف وثيق لميانمار تخوضُ صراعاً ضد مسلمي الإيغور الذين يتركزون في منطقة تركستان الشرقية. وتشهد الهند أحداث عنف طائفي ضد المسلمين، وبدرجة أقل ضد النصارى، ولاسيما من قبل المتعصبين الهندوس.

المصالح الاقتصادية

ومع توجُّه أغلب الميانماريين للعمل في القطاع الزراعي، فإن قطاع التعدين والطاقة يُشغلهُ الميانماريون بنسبة ضئيلةٍ تصل إلى 1%، مقابل استحواذ الأجانب على هذا القطاع، بينما استولت الصين على حصة الأسد، إلى جانب شركات عملاقة عالمية تتنافس على استخراج الغاز، وبمعدل أقل تعمل شركات من الهند وتايلند وماليزيا في قطاع الطاقة هناك، وثمة استثمارات لبعض الدول العربية في قطاعي الاتصالات والسياحة تصل إلى عدة مليارات.
ورغم امتلاك تايلند لاحتياطيات من الغاز تؤمِّن لها حاجتها المحلية لتوليد الكهرباء، إلا أنها لاتجدُ بديلاً عن يانغون (عاصمة ميانمار) لتوفير إمدادات من الغاز لسد النقص الذي يصل إلى 40%.
وفي ديسمبر 2005 وقَّعت مؤسسة البترول الوطنية الصينية (بتروشاينا) اتفاقاً مع حكومة ميانمار لشراء الغاز الطبيعي لمدة تزيد عن 30 سنة، وفي نوفمبر 2008 اتفقت الصين وميانمار على بناء خط أنابيب نفط بتكلفة 1.5 بليون دولار، وخط أنابيب غاز طبيعي بتكلفة 1.04 مليون دولار. وفي مارس 2009 وقعتا اتفاقية لبناء خط أنابيب غاز طبيعي، وفي يونيو 2009 وقعتا على اتفاقية لبناء خط أنابيب نفط خام.
ولايقتصر التنافس العالمي على النفط والغاز في ميانمار، وإنما أيضاً التنافس على خشب (التيك) ومنتجات أخرى متعلقة بالغابات، وعلى الأحجار الكريمة ومنتجات النسيج والزراعة.
ومن بكين إلى موسكو؛ حيث وقعت روسيا في عام 2015 اتفاقاً مع ميانمار لبناء محطة كهربائية نووية، بينما أقر مجلس الشعب الميانماري مشروع قانون يهدف إلى تحسين العلاقات العسكرية مع روسيا.

سطوة الجغرافيا

ورغمَ أن النظام الميانماري ليس يساريّاً، ولم يأخذ أية جرعات أيديولوجية من الماويين الصينيين، أو من الروس، إلا أن الصين وروسيا، تقفانِ سدًّا منيعاً أمام أي مشروع قرار يمكن أن يصدر عن مجلس الأمن الدولي لإدانة انتهاكات حقوق الإنسان في تلك البلاد، باستخدام (الفيتو)، كما حدث وبأداء مزدوج عام 2007.
وتتمسك بكين بعلاقة قوية مع ميانمار لأسباب متعددة الأغراض، من بينها اقتصادية واستراتيجية. ويعتبر عامل الجغرافيا من حيث موقعُ ميانمار ذا سطوة عالية التأثير على الصين، التي تسعى حثيثاً إلى ترسيخ وجودها في يانغون، كي تجد لها متنفَّساً على المحيط الهادي، ودول جوار ميانمار.
وتعدُ الصين حليفاً وثيقاً لميانمار، وهي أهم مُوَرِّد للأسلحة إليها ، حيث صدرت إليها منذ عام 1989 طائراتٍ مقاتلةً ومدرعات وسفناً بحرية وقامت بتدريب جيشها وقواتها الجوية وأفراد البحرية فيها.
ويوفر وصول الصين إلى الموانىء في ميانمار والمنشآت البحرية منفذاً استراتيجياً في خليج البنغال، وفي منطقة المحيط الهندي، وجنوب شرق آسيا على نطاق أوسع، وهو ما يجعل بكين في موضع قوةٍ أمام نيودلهي، التي تنازعها حدودياً وتنافسها إقليمياً؛ فمن شأن النفوذ الصيني في ميانمار أن يُمَتِّعها بقدرات لمراقبة النشاطات العسكرية في الهند، بما في ذلك التجارب الصاروخية.

أين دور أميركا؟

توظِّف أميركا الملف المتعلق بحقوق الإنسان، ومن ضمنه الإبادة بحق مسلمي ميانمار، في سياق الصراع السياسي مع التنين الصيني.
ويعتبرُ ملف ميانمار بشكل عام مهماً لدى واشنطن، لأنه يمكِّنها من المناورةِ أمام الصين، ويتيح لها مواجهةَ بكين في الملف الأكثر حساسية بالنسبة لها، وهو (حقوق الإنسان)؛ حيث كثيراً ما يُلقى اللوم على الحليف، باعتبار أنه الداعم لحالة الاستبداد أو الضامن لاستمرارها، وهو ما عملت عليه واشنطن في يانغون في مواجهة بكين، علاوة على تحقيق مصالح اقتصادية أخرى.
إن أميركا باختصار تبحث عن موطىء قدم إضافي لها في جنوب شرق آسيا، ومسألة (الانتهاكات وحقوق الإنسان) هي مِشجب لا أكثر، تعلق عليه أسباب تدَخُّلها في تلك المنطقة.
ويبدو أن هذه الورقة قد سقطت من يد واشنطن الآن؛ بعد أن استُهلِكت في التوظيف السياسي، وأصبحت المعارضة في الحكم، وتقلَّدت زعيمتها سو تشي منصباً في وزارة الخارجية، لتعود أميركا إلى حلبة المنافسة الاقتصادية، وتعزيز دورها كي تقتسم ما أمكن من الكعكة الميانمارية.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com