جمعية-إلعاد-الاستيطانية

«إلعاد» الاستيطانية.. أداة الكيان الصهيوني لتهويد القدس

لا شيء يُدخِل الحزن والشعور بالمرارة على نفوس أهالي مدينة القدس كسماعهم كلمة (إلعاد).
فهذه الجمعية الاستيطانية، التي تسللت بين بيوتهم وأراضيهم، وتحت مدينتهم المقدسة، وكثُر ذكرها في الأعوام القليلة الماضية، هي واحدة من الأدوات الصهيونية البارزة اليوم في تسريع عملية تغيير طابع المدينة وتهويدها. وكانت قد تأسست في سبتمبر من العام 1986.
وورد في أوراق اعتمادها في مُسجِّل الجمعيات الصهيوني الأهداف التالية: «تعزيز العلاقة اليهودية بالقدس عبر الأجيال من خلال الجولات، والإرشاد والإسكان وإصدار مواد ترويجية».
واختارت الجمعية لذاتها اسماً يناسب هذه الأهداف، وهو (إلعاد) وهي بالعبرية اختصار لجملة (إيل عير دافيد)، وتعني بالعربية: «نحو مدينة داود». وفي ذلك إشارة إلى الاعتقاد اليهودي بأن النبي داود أسس في القدس، وتحديداً على تلة جنوب المسجد الأقصى، «عاصمةً دينيةً وروحانيةً للشعب اليهودي»، قبل 3 آلاف عام، كما يذكر موقع الجمعية الإلكتروني.
وتماشياً مع هذه الرؤية، تدير الجمعية اليوم موقعاً بنائياً جنوبي الأقصى، في حي وادي حلوة في سلوان، يُسمى (عير دافيد) وبالعربية (مدينة داود)، وهو المكان الأبرز الذي انطلقت منه نشاطات الجمعية وحفرياتها الأثرية، ومن خلاله يتم ترويج دعايتها وأجندتها التهويدية.

مؤسس الجمعية

والوجه البارز والمتحرك الأساسي في إدارة الجمعية، هو المستوطن المدعو دافيد باري المولود عام 1953 لعائلة يهودية ذات أصول بولندية. وبدأ باري فور خروجه من (الجيش) في العام 1990، طريقه في خدمة الاستيطان والتهويد في القدس.
في البدايةً تطوّع في الجمعية الاستيطانية الموسومة (عطيرت كوهنيم)، وكان مُعلِماً في إحدى مدارسها الدينية في البلدة القديمة للقدس.
وبعد ذلك تفرّغ لتأسيس (إلعاد)، والتي تحوّلت إلى ذراعٍ ضخمٍ للسياسات الصهيونية التهويدية في القدس. ويعتبرها الكثيرون في هذا السياق وجهاً غير حكومي لتنفيذ السياسات الرسمية الصهيونية.
و(تقديراً لجهوده) في إدارة وتطوير هذه الجمعية ونشاطاتها، مُنِحَ باري في مايو الماضي، الجائزة الموسومة بالإنجاز على مساهمته (المميزة) للمجتمع، وذلك خلال (الاحتفالات) بمرور 69 سنة على تأسيس الكيان الصهيوني، والخمسين لاحتلاله شرقي القدس.
وفي معرض تفسيرهم لاختياره لنيل هذه (الجائزة) قال المشرفون عليها إنه «بادر وأقام وقاد العمل (المبارك) الذي حوَّل مدينة داود لموقع أثري وتربوي وسياحي وطني وعالمي من الدرجة الأولى».
وأضافوا إنه «(تقديراً) لجهوده ومساهمته لـ(الوطن) في تأسيس هذا المشروع (الوطني) مُنح هذه (الجائزة) في مناسبة مرور 50 عاماً على (توحيد) القدس».

مصادر تمويلها

ولجمعية (إلعاد) ميزانية ضخمة، وتوصف بأنها إحدى أغنى الجمعيات غير الحكومية الصهيونية.
وبحسب تقرير لصحيفة (هآرتس) العبرية في مارس 2016، فإن الجمعية تلقت بين العامين 2006 و2013 ما يقارب 450 مليون شيكل (125 مليون دولار)، أغلبها من أموال التبرعات اليهودية وغير اليهودية من خارج الكيان الصهيوني.
إضافة إلى ذلك يشير ذات التقرير إلى أن الجهات الضريبية الصهيونية تغضُّ الطرْف عن ميزانيات (إلعاد) ومصادر تمويلها، وأن الأخيرة تقدّم تقارير مالية تحوي مصادر مجهولة الهوية، بعكس ما يفرضه القانون.

نشاط الجمعية

تعتمد الجمعية مسارين أساسيين في تحقيق أهدافها: أولاً، الاستيلاء على العقارات الفلسطينية في القدس وإسكانها بالمستوطنين، في محاولة لتحقيق غالبية يهودية وطرد السكان الفلسطينيين.
وثانياً، السيطرة على المواقع التاريخية الأثرية، وخلْق رواية صهيونية حولها، وكل ما يتصل بذلك من عمليات الدعاية المحلية والعالمية والإرشاد السياحي.
أما ميدان نشاطها المركزي فهو حي وادي حلوة، أحد أحياء بلدة سلوان، ويبعد عن سور البلدة القديمة وسور المسجد الأقصى جنوباً ما يقارب 30 متراً.
ففي ذلك الحي تدور معظم أحداث الرواية التوراتية حول القدس، ومن هنا يأتي استهدافه المكثف من قبل (إلعاد).

البؤر الاستيطانية

وتُسيطر الجمعية على العقارات الفلسطينية في قلب حي وادي حلوة وتحوّلها إلى بؤر استيطانية بطرق عدة. فبحسب تقرير للجمعية الأثرية الصهيونية الموسومة (عميك شافيه) للعام 2013، كانت الطريقة الأبرز والأكثر استخداماً خلال فترة تسعينيات القرن الماضي هي الاستفادة من (قانون) أملاك الغائبين الصهيوني، والذي يقضي بتحويل أملاك الفلسطينيين غير المقيمين في فلسطين، إلى جسم صهيوني يسمى (حارس أملاك الغائبين)، والذي بدوره يملك (الحق) بالتصرف فيها.
وبفضل علاقاتها المتشعبة والقريبة من أذرع السلطة الصهيونية، يسهل على (إلعاد) شراء تلك العقارات فيما بعد من حارس أملاك الغائبين، عادةً بمبالغ زهيدة للغاية.
وكان باري، مؤسس الجمعية، يساهم بنفسه في البحث عن البيوت التي يعيش مُلاَّكها خارج فلسطين، ويُبلّغ عنها حارس أملاك الغائبين، حتى تصل في نهاية المطاف إلى جمعيته وتتحوّل إلى بؤرةً استيطانيةً.
في إحدى المرات مثلاً، تنكّر باري بصفته مرشداً سياحياً ليتقرب من السكان في سلوان، وليتمكّن لاحقاً من الدخول إلى أحد البيوت ومعاينته عن قرب والحصول على معلومات عن مُلاَّكه.
وبهذه الطريقة، استولت (إلعاد) على أول عقار فلسطيني في سلوان، وذلك في أكتوبر 1991، عن طريق التبليغ عنه لحارس أملاك الغائبين، ومن ثم شرائه منه بثمن زهيد.
أما الطرق الأخرى للاستيلاء على عقارات الفلسطينيين وتحويلها إلى بؤر استيطانية، والتي استُخدِمت لاحقاً، فتشمل تزوير أوراق الملكية، أو شراء تلك العقارات بواسطة شركات أجنبية مسجلة في الخارج، أو سماسرة محليين.
وبحسب الباحث الميداني المتخصص في شؤون الاستيطان، أحمد صُب لبن، فإن (إلعاد) تسيطر اليوم على ما يقارب 70 بؤرة استيطانية في قلب الأحياء الفلسطينية، غالبيتها تقع في حيّ وادي حلوة في سلوان، جنوب المسجد الأقصى.

المواقع الأثرية

ونجحت (إلعاد) على مدار سنوات عملها الثلاثين، وبطرق ملتوية، وعبر شبكة علاقاتها الممتدة داحل أروقة (الوزارات) الصهيونية، في الاستئثار بالسيطرة على أهم ثلاثة مواقع أثرية موجودة في وادي حلوة، وبالقرب من المسجد الأقصى، واستغلالها لبث الرواية الصهيونية أمام المستوطنين والسياح على حدّ سواء.
ومن أهم تلك المواقع ما يُعرف اليوم بمدينة داود (عير دافيد) التي تقع في أقصى شمال وادي حلوة/ سلوان، وتصل مساحته إلى 24 دونماً (الدونم ألف متر مربع)، وتشمل بركة سلوان التاريخية، وآثاراً وأنفاقاً تاريخية.
ويتبع المكان الأثري المسمى مدينة داود لإدارة سلطة الطبيعة والحدائق الصهيونية، إلا إن (إلعاد) حصلت على إدارة المكان بالمقاولة منذ العام 1997 حتى يومنا هذا، حتى أصبح الموقع الأثري مرتبطاً بها ارتباطاً وثيقاً، بل إن شعار (إلعاد) هو ذاته – مع فروقات بسيطة – شعار موقع مدينة داود.
وتمتد يد (إلعاد) إلى الجهة المقابلة لمدينة داود، على بعد أقل من 10 أمتار، حيث تقع ساحة وادي حلوة، والمعروفة صهيونيًا باسم موقف جفعاتي، وهي موقع تُجرِي فيه الجمعية حفريات أثرية منذ العام 2007، وتخطط في السنوات القليلة القادمة لبناء مركز استيطاني سياحي ضخم فوقه.
أما الموقع الثالث الذي تسيطر الجمعية عليه منذ عام 2014، فهو منطقة القصور الأموية الملاصقة للمسجد الأقصى وحائط البراق، والتي تُعرف صهيونيًا باسم حديقة دفيدسون.
وتستخدم (إلعاد) هذه المناطق الأثرية كنقاط جذب سياحية واستيطانية تروّج من خلالها للرواية اليهودية حول المدينة. فمثلاً، تخطط (إلعاد) لبناء مركز زوّار استيطاني سياحي ضخم فوق ساحة وادي حلوة (موقف جفعاتي)، يضم 7 طوابق فيها قاعات دراسية ومقاه ومعارض، كلّها تحمل ذات الهدف: ربط القدس بالتاريخ اليهودي.
كما عمدت في السنوات الأخيرة إلى تكثيف الإعلانات التي تستهدف السياح، وتنظم ممارسات مختلفة موسيقية وترفيهية لجذبهم لزيارة هذه المواقع الأثرية، واصطحابهم في جولات إرشادية، وهو ما يسميه صب لبن (ديزني لاند) المستوطنين».
فمثلاً انتشرت في القدس خلال أشهر الصيف دعاية تحمل شعار (توجد مياه في القدس)، في إشارة لجذب السياح والعائلات الصهيونية لزيارة بِركة سلوان التاريخية الموجودة داخل الموقع الأثري مدينة داود، بدلاً من البحث عن المياه في المدن الساحلية والشواطىء.

تعاون «حكومي»

وفي حديثه مع وكالة (الأناضول) يعتبر صُب لبن، بأن جمعية (إلعاد) ذراع غير رسمي لتنفيذ سياسات السلطة الصهيونية.
ويضيف «تتميز إلعاد بأنها متنفذة وذات علاقات قوية داخل السلطة الصهيونية، ويرجع أحد أسباب ذلك إلى كون عدد من أعضائها ومنتسبيها يشغلون حالياً أو كانوا يشغلون في الماضي مناصب مهمة داخل (الوزارات) الصهيونية».
ومن مظاهر هذه العلاقة، أنه على الرغم من أن (القانون) الصهيوني يلزم الجهات (الحكومية) بالإعلان عن مناقصات مفتوحة لإدارة تلك المواقع الأثرية، إلا أن ذلك لم يحصل في حالة (إلعاد). فعلى سبيل المثال، أعطت الموسومة (جمعية تطوير الحيّ اليهودي) وهي الجهة الصهيونية (الحكومية) المسؤولة عن منطقة القصور الأموية، في العام 2014 جمعية (إلعاد) (الحق) في إدارة هذا الموقع، دون نشر أية مناقصة.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com