no image

إلى روح ولدي خالد!

جرحي.. البركان الغائر الثائر.. جرحي الساهر الهادر الحائر.. جرحي الغضب مني.. الذي يشيح بوجهه عني.. جرحي القابل للصراخ للنشيج للتمدد في أية لحظة.. تعود ذكراه قريباً بعد أن أكمل دورته حول الشمس. يعود ليذكرني أنني ما نسيت.. ويحذرني من أن لحظة النسيان هي آخر أنفاسي. أو إنْ تناسيت فتلك هي الخيانة. تعود الذكرى والعويل في صدري لاشك قد أصبح أقل إزعاجاً للآخرين. والأنين قلت حِدَّته وأصبح ضمن جدران الصدر فقط لايسمعه غيري أما الحنين فهو كما هو.. لا بل أشد.. شراييني ماتزال ناقصة ولست أحس بالتدفق الطبيعي للدم في قلبي.
يا الله.. كيف بعد كل السنوات هذه ماتزال اللحظة الأولى حاضرة في الذاكرة بكل تفاصيلها.. بكل شخوصها.. بكل الكلمات الصرخات والانفعالات؟ لم أجرب يوماً غير ذاك أنْ أقترب من حافة الجنون لولا لطف الله. عرفت أنَّ حالة الجنون ما هي إلا هروب من مأزق ترى نفسك فيه وتعتقد أنْ لا حلَّ له سوى أنْ تقطِّع خيوطك المتصلة بالحقيقة والواقع، أو أنْ ترفع مرساة قاربك وترحل بعيداً بعيداً خلف الأشياء ولاتعود.
يا الله.. يدهشك كَمُّ الحزن الذي يأتيك من حيث لاتدري. موج يتبعه موج يتبعه موج.. يغلفك.. يُشِلُّك. فتصبح بلا حراك خائر القوى لاحول لك.. مشدوهاً.. منعقد اللسان.. حائر العينين.. لاتدري ما يدور حولك أو حتى كنه المجتمعين حولك.. ماذا يقولون.. عمَّ يتحدثون.. لماذا عيونهم محمرَّة باكية ومحدِّقة فيك.
هي دقات الدهر كله.. تتشابك فيها كل الأفكار والمشاهد والمشاعر.. يعصرها المخ عصراً فتتمخض عنها ارتعاشات عصبية لا إرادية تخرق جدران الذهول المحيطة بالجميع وتضرب بشدة على ثوابتك اليقينية فتهتز من أساساتها.. وتبدأ رحلة الأسئلة التي لاتنتهي رغم محاولاتك شبه الواعية الآتية من بعيد لإسكاتها. تكتشف باندهاش أنَّ إيمانك الذي تتباهى به أصبح هشاً تحت غضب مساءلتك ربَّك. كل تاريخك التَّعَبُّدي أمسى ذكرى.. كل عبارات الصبر والتَّجَمُّل ترن في أذنيك دون معنى.. تصرخ صرخات تهز موازينك وتزيل طبقة هدوئك الصدئة.. وتريد في لحظتها أنْ تتكسر.. تتشظَّى.. تنمحي.. ولكنه لطف الله دائماً.. ها هو يأتيك قبل أنْ تستغرق أكثر في حُنْقِك واضطرابك.. يأتيك صوت يصب في قلبك مباشرة.. لله ما أعطى ولله ما أخذ.. إنَّا لله وإنَّا اليه راجعون.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.. فينصبغ قلبك بالهدوء والاطمئنان وتنزل دموعك صافية غزيرة تودع بها جرحك.. ولو إلى حين.
على حين شمت الخير من لمحاته
وآنست من أفعاله آية الرَّشَد
طواه الردى عني فأضحى مزاره
بعيداً على قربٍ قريباً على بُعد
أحمد محمد عبدالنور

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com