مفاعل-نووي

إيران بعد الاتفاق النووي.. بين رفْع العقوبات واستقرار المنطقة

التوقيع على اتفاق مبدئي جرى بنهاية شهر مارس الماضي بين إيران والدول الست الكبرى، والذي شمل المبادىء الرئيسية للبرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات الاقتصادية، أظهر الاستعداد للتوقيع على اتفاق نهائي يشمل التفاصيل ومراحل التنفيذ قبل نهاية شهر يونيو المقبل، لكنه يبرز مشكله معقدة عن حاله عدم اليقين وفقدان الثقة بين الجانبين ومخاوفهما من المماطلة في التنفيذ وانتهاك نصوص البنود التي تم الاتفاق عليها.
وقد عكست أجواء الجانبين ومواقفهما هذا الواقع، عندما حذر الرئيس الأميركي باراك أوباما إيران من “الغش” وعدم الالتزام بالقيود على برنامجها النووي، ورد عليه الرئيس الإيراني حسن روحاني قائلاً: “أن إيران ستحترم هذا الاتفاق بشرط أن تنفذ القوى العالمية الشق الخاص بها”.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه إيران أنها تتطلع إلى رفع فوري وكامل ونهائي للعقوبات الدولية لكي تسجل انتعاشاً لاقتصادها المنهار بالعودة إلى التعامل بشكل طبيعي مع المجتمع الدولي، يلاحَظ أن روحاني قد أشاد بالتقدم التكنولوجي الذي أحرزته إيران رغم العقوبات الدولية.

الورقة الاقتصادية

مع الأخذ بالاعتبار، التركيز على المكاسب والخسائر الاستراتيجية المحتملة للاتفاق النووي في حال توقيعه في يونيو المقبل، يبدو أن الجانب الاقتصادي هو الورقة الرابحة التي دفعت الولايات المتحدة الأميركية إلى وضع ثقلها لإنجاز هذا الاتفاق، ودفعت إيران إلى “التضحية” بالإنجاز النووي. وإذا كانت المكاسب الاستراتيجية للطرفين المتفاوضين ليست واضحة تماماً، على أساس أن البعض يعتبر أن الاتفاق يتضمن تفاهمات سرية غير معلَنة على النفوذ، فإن المكاسب الاقتصادية واضحة تقريباً وهي مغريه وفق المعايير.
ولوحظ أن النظام الإيراني لم يتوان طوال عدة سنوات ماضية ومايزال، عن التفاخر بتراجع تأثير العقوبات على الإيرانيين وصمودهم، مدَّعياً أنها تحثهم على التحدي والإبداع للتغلب عليها وتوفير كافة احتياجاتهم ذاتياً، كما خوَّلتهم تحقيق قفزات تكنولوجية كبيرة، تجلَّت أبرز ملاحمها في تطوير برنامجهم النووي، فضلاً عن تصنيع أسلحة جديدة ومتطورة من طائرات إلى غواصات وصواريخ متوسطة وطويلة المدى، حتى إن مناوراتها العسكرية المتتالية لم تتوقف، وهي بمثابة رسائل سياسية توجهها إلى الأعداء، وتؤكد خلالها صدقية استراتيجيتها الردعية وجاهزيتها العسكرية للتصدي لأي تهديد محتمل.
وإضافة إلى ذلك، انزلق النظام الإيراني إلى إرهاق كاهل اقتصاده بسياسات استعراضية مستفزة لجهة تقديمات مالية وعسكرية لدول وجماعات وحكومات وأحزاب سياسية وتنظيمات مسلحة ومليشيات شبه عسكرية في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن وتركيا وأفغانستان، وذلك لخدمة استراتيجيتها في توسيع نفوذها في المنطقة.
وفي المقابل، لم يتوان الكونغرس الأميركي والدول الغربية في مطالبة مجلس الأمن والمجتمع الدوليين بفرْض مزيد من العقوبات على إيران، ووضْع آلية صارمة لمراقبه تطبيق تلك العقوبات بكل دقة وحزم، في وقت بدأت فيه وسائل إيران للتحايل على العقوبات في الانسداد تدريجياً لاعتبارات عدة، أهمها إجراءات لتشديد هذه العقوبات وضمان تنفيذها، إضافة إلى اضطراب البيئة الإقليمية المحيطة بطهران على خلفية الثورات العربية والحرب على (داعش).
ومع نجاح العقوبات في تحقيق هدفها، أثبتت الولايات المتحدة ومعها المجتمع الدولي أن الحرب العالمية الثالثة لم تعد من طبيعة عسكرية، بل اقتصادية بامتياز، حيث دفعت العقوبات إيران مرغَمة إلى التسليم بشروط المجتمع الدولي ومعاييره النووية، لأنه خلاف ذلك كان من شأنه أن يهدد النظام الإيراني برمته.

القدرة المالية

وقد كشف تقرير لمعهد التمويل الدولي أن الناتج المحلي الإيراني قد انخفض من 514 مليار دولار في السنة المالية 2011/ 2012، إلى 342 مليار دولار في السنة المالية 2013/ 2014، ما يعني خسائر بلغت 57 مليار دولار، وقد سجل في السنة المالية 2014/ 2015 تراجعاً كبيراً بسبب العقوبات وتراجع سعر برميل النفط من 115 دولاراً للبرميل إلى أقل من 55 دولاراً، مع إنتاج ضئيل للتصدير لايزيد عن 1.2 مليون برميل يومياً.
وعندما وضعت إيران موازنتها للسنة المالية 2015/ 2016 اعتمدت سعراً لبرميل النفط في حدود 72 دولاراً، ولكنها اضطرت مؤخراً إلى خفْضِه إلى 42 دولاراً. واللافت في الأمر زيادة مخصصات الحرس الثوري الذي يحمي النظام من الداخل ويشكل رأس حربه في الخارج. وينص مشروع الموازنة على زيادة الإنفاق العسكري بنسبة 33% إلى عشرة مليارات دولار، رغم أن الرقم الحقيقي أعلى بكثير، لأن هناك مبالغ لاتظهر في أبواب الموازنة، بل تبقى محفوظه في أدراج مكتب المرشد الأعلى على خامنئي، ولم يظهر في كل المؤشرات المالية أي تراجع عن تسليح الحركات الموالية لإيران في الشرق الأوسط.
وحسب رأي المسؤولين الأميركيين، فإن الاتفاق النووي ينص على أن العقوبات لن تُرفع حتى يتم التأكد من التزام إيران بتنفيذ البنود المتعلقة بالجانب النووي، وهو أمر يتطلَّب على الأقل ستة أشهر بعد موعد تنفيذ الاتفاق، ما يعني أن العقوبات قد تستمر إلى آواخر العام الحالي، أو مطلع العام المقبل، وبالتالي فإن الاقتصاد الإيراني سيستمر في أزمته الحالية.
وتراهن الأسواق النفطية العالمية على زيادة الصادرات الإيرانية بين 200 ألف و600 ألف برميل يومياً في غضون ستة أشهر من بدء تخفيف العقوبات، لكن التعافي التام للإنتاج مستبعد قبل النصف الثاني من العام 2016، بسبب الحاجة إلى ضخ استثمارات جديدة لتحديث الحقول النفطية.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com