IMG_3988

الأناضول.. ثرثرة سلسبيل الطبيعة

النبأ: ناصر البهدير

للولهة الأولى وأنت ترنو بعينيك إلى رحاب فضاء بلاد الأناضول لاتجد نفسك إلا وهي منغمسة في ثراء الحياة والطبيعة المهول وحوارهما الدافق المتصل. فثمة فضاءات رحبة تفيض بنمير الخير وتدعوك لتملأ كفيك بحثوة من ترابها؛ لتمارس سطوة عشق الانتماء المبكر لها دون قيود وأنت ترسف في أغلال حرير الورود الناصعة الألوان في تناسق لايكف على بعْث الجمال أينما يممت شطرك في الأنحاء.
في مدينة إسطنبول الكبرى كل شيء يَتْرَع بالمحبة والنَّضار، وروعة الطقس تزحم الأفق، ليس بدءًا بأزهار التُّوليب، ومرورًا بالقلاع التاريخية، ومدينة القسطنطينية القديمة الأثر، والسوق المصري، وتلك الجسور المدهشة والمساجد، وليس أخيرًا طقس السياسة الذي ينتصب في كل مكان وسط أجواء احتفالية بالغة الثراء والحيوية والأريحية، تضج بها خاصة تلك الساحات؛ والغناء والرقص سيد كل شيء منصباً على الولاء للوطن أولاً، وثانيًا الحزب إيًا كان لونه وأهدافه. وقتها كان بيننا وبين لحظات الاستفتاء التاريخي حول تعديل بعض مواد دستور تركيا، مجرد ساعات بحساب الوقت.
وكذلك فاتنا بذات التوقيت، أنْ نغتنم نصيبنا من مهرجان إسطنبول الدولي للتُّوليب المقام في شوارع وحدائق وساحات مدينة إسطنبول احتفاءً بزهور التُّوليب أو (اللاَّلِه) كما يطلق عليها بالتركية، والذي تقيمه بلدية المدينة للعام الثاني عشر على التوالي.
والأعلام ترفرف بحب تركيا الذي تشاهده بقلبك قبل عينيك في العادة لًطالما كل شيء مرتب ومنظم وفق قوانين البلديات والحرص على خدمة البلد.
الشوارع نظيفة كما قلوب أهلها، حتى الأصقاع النائية بين منعرجات الجبال الشاهقة تلهج بالبياض جراء اهتمام الحكومة ونفح الطبيعة. وما وجدنا بياضًا يرهق العين مثلما كان في مرتفعات بورصة العريقة والتي تحيط بالمدينة من كل جوانبها كإحاطة السوار بالمعصم. بياضًا يلتف حول خاصرة وأعناق الأشجار حتى بين سوقها وجذورها يسد المسام، والأشجار ترسل التحيات الطيبات في مودة جديرة بالملاحظة. وفي بورصة تفيض مياه الثلوج شلالات مترعة تبلل أطراف وعمق الجبال والأودية والأرض الخضراء.
و(تلفريك) بورصة، في قلب جبل الأولوداغ داخل غابات الصنوبر، يطوف بك فوق رؤوس الجبال ويقدر لك في أُلْفَة أنْ تشاهد على ارتفاع يقترب من 2000 متر عن سطح البحر، الجليدَ والمروجَ الخضراء وأشجارَ الزَّان والبلُّوط والكَستناء والصنوبر.
والشلال الصغير نموذج لجود الطبيعة التي حبا الله بها بلاد الأناضول، وحوله تنتشر المطاعم الشعبية الراقية التي تقدم خدمة الشواء الذاتي، وكل ذلك في بهاء وترف مُبالَغ فيه دون حدود.
ولعلي كنت محقاً والحديث بيني وبين زميلي ينصب حول شجرة ضخمة تملأ عروق الجبال في أعاليها البَضَّة. شجرة كبيرة الحجم ومعمِّرة تعيدنا إلى شجرة الحياة بمملكة البحرين. وسيان الأرض والشعوب في محبتهما للأشجار.
وتقع الشجرة التاريخية في بداية جبل أولوداغ بمنطقة بورصة، ويبلغ عمر الشجرة أكثر من 600 سنة. وقد لايمكن لك إن تبلغ طولها وعرضها، ما دام كل شيء فيها مُوَقَّع ومُسَطَّر بألحان الطبيعة الحالمة والهادئة الناعمة.
بالطبع لن ننسى خان الحرير، وهو من الأسواق المشهورة في بورصة، باعتبار أن المدينة تشتهر بصناعة الحرير كما حلوى الحلقوم ذات المذاق الحلو، وهي الحلوى الملكية الفاخرة في زمن الإمبراطورية العثمانية ذات يوم ما.
ومن منا لايشتهي العسل ويَرُوْمَه كغذاء وعلاج! حتماً لن تغادر تركيا دونه، وملء البصر وأنت تتجول في أنحاء البلاد العالية ترى مناحل العسل الطبيعي بشتى ضُروبَه من أزهار الأشجار كمثال عسل الصَّنوبر والكَستناء الأكثر شهرة.
وشتان الأمر في بحار تركيا وبحار أخرى. تركيا تغرق في يَمِّ المياه من كل أطرافها الناهضة مثلما تعانق هضبة الأناضول عَنان السماء. بحر مرمرة يطيب الحضور عنده في الصباحات الباكرة والجو صحو مغرِق في ثمالة الضوء وأنت تعبُرُه بانشراح، سِيَّان إنْ عبرت بالجسر أو العَبَّارة بين بورصة وإسطنبول لَطالما ستستنشق أمواج روائحه العَبِقة، ومذاق القهوة التركية.
أما مضيق البوسفور الذي يصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة، والذي يُعتبَر مع مضيق الدَّرْدَنِيل الحدود الجنوبية بين قارة آسيا وأوروبا، أحد هبات الطبيعة لقلب البلاد النابض؛ إسطنبول.
فالبحر الأسود لايحيد عن أقرانه قيد أُنْمُلة، يُسَبِّح بملكوت الله، ويَرْفَل في حلَّته الزرقاء مسكونًا بالحياة ومقرونًا باتجاه مزارع الشاي في منطقة طرابزون في أقصى الشمال الشرقي للبلاد.
وهل ذكرت الشاي! بالطبع لن ننسى مذاق شاي الرُّومان، ولبَن العِيْران، وبتيزا طرابزون المحلية الطاعمة المحلاة بدهن السمن، وطعم خلايا العسل الطبيعي، وخبز السَّمِيْت الذي يسد أفق الطرقات كما حبات الكَستناء وقناديل الذُّرة الشامية عند كل زقاق.
وفي طرابزون تملأ رئتيك بالهواء العليل والمنعش وزخات المطر، وقَزَع الغيم تسوق نفسها بنفسها في مشهدِ بديعِ يصنع نفسه بنفسه في تنافس فريد، تكاد أن تمسك كِسفة من سحابة مارَّة على مهل تمشي الهُوَيْنَا سواءً أَكُنت على مقربة من دير سوميلا أو على ضفاف بحيرة أزونغول؛ مروج الحياة المتجددة والمتوهجة، كلاهما على ارتفاع شاهق تكاد أن تفقد فيه الأكسجين في ظل رجفة جسد محاطة بنَدَف حبَّات الثلج.
والدَّالِف والمغادر لهضبة الأناضول لن يسعه الوقت المعلوم، لذا لابد له أنْ يزور على الأقل متحف آيا صوفيا بمدينة طرابزون أو أي متحف آخر، حتى يختصر جزءاً من تاريخ بلاد موغلة في التاريخ الإنساني، إذ إنها رَفَعت ذات يوم لواء الإسلام وجابت أركان العالم بِثِقَل حضارتها العريقة.

IMG_2478

IMG_5027

IMG_5524

IMG_3557

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com