تغريدة الاستبيان

الإجازات المرضية.. بين سندان الحقيقة ومطرقة التحايل

النبأ: نوح الجِيْده

قد يهرب الموظف من عمله بحجج متنوعة، ويكون العذر عنده جاهزًا بوثيقة رسمية يختَم عليها إنه مريض ويستحق الراحة. قد تكون الإجازة المرضية هي الحل الأبسط والأكثر إقناعًا لجهات العمل ولكن، هل كل من أخذها يستحقها؟
وفي تصريح سابق نشر لمديرة إدارة المراكز الصحية سيما زينل يعود إلى عام 2015 أكدت فيه أن المستشفيات الحكومية تصدر يوميًا ما يقارب 2500 عذر طبي للمرضى المستحقين للإجازة المرضية، ومن خلال الإحصائية الخاصة المبينة آنفاً فإنها تعطينا مؤشرًا خطيرًا لهذه الظاهرة التي تجتاح المجتمع وتعزز سلوكًا كارثيًا له أبعاد متعددة تتعلق بالأفراد والعمل والإنتاجية، نقف في هذا التحقيق مع المظاهر والمبررات والنتائج ونطرح جزءًا من الحلول .

مشاهد واقعية

قال د. أحمد سعد جلال أستاذ علم النفس بجامعة البحرين أنه نبَّه طالبة على عدم استخدام الهاتف في المحاضرة فلم يعجبها ذلك ولم تداوم محاضرتين أو ثلاث، حتى أتت لي بعذر طبي.
وقال الطبيب هشام الشيخ اختصاصي طب العائلة بمركز بنك البحرين والكويت الصحي بالحد أنه من الأمور التي تحدث أن هناك من يريد السفر فيأخذ إجازة مرضية قبل السفر بيوم بحجة التجهيزات وأخرى بعده بحجة التعب وكأن العذر الطبي هو الحل الوحيد، على الرغم من وجود الإجازة السنوية، ولكنه لايرغب في استعمالها فيلجأ إلى المرضية، وهذا هوالمفهوم الخاطىء لدى المرضى أنفسهم.

وللناس كلمة..

لماذا الاجازة؟

ومن خلال جس نبض الناس عبر موقع الانستغرام تنوعت المبررات، نسرد بعضها على سبيل المثال: عدم الشعور بالمسؤولية والكسل والمزاجية وضغوط العمل وصعوبة أخْذ الإجازة إلا بالدليل الطبي، إضافة إلى الآثار المترتبة على الغياب من خصم الراتب وخسارة بعض الامتيازات. وأشار البعض إلى تَعارُض الأعمال المهمة مع فترة العمل، الأمر الذي يدفعها إلى أخذ إجازة مرضية تبعدها عن المساءلة، وفقدان بعض جهات العمل ثقتها بالأفراد واهتمامها بوجود العذر الطبي فضلاً عن الاهتمام بصحة منتسبيها، وأحال البعض الآخر السبب إلى أن الدافعية للعمل والإنتاج معدومة ويرجع ذلك الأمر في أساسه إلى كره الموظف لعمله.

البعد النفسي

فيما يرى د. أحمد سعد أن الإنسان الذي يتمارض ويذهب للمستشفيات لأخذ إجازة مرضية ويوهم الأطباء أنه يعاني من مرض معين ويطلب إجازةً يوماً أو يومين أو أكثر، هذا الشخص في الغالب لايكون متوافقًا مع بيئة العمل ويعاني من ضغوط نفسية شديدة سواء من رؤسائه أو زملائه الذين قد يدخل معهم في مناقشات معينة، فهذا الشخص يذهب إلى العمل وهو غير مستمتع به ويعاني من صراعات تجعله يهرب منه بأي شكل من الأشكال، وهذا الأمر ينطبق على الطلبة أيضًا حين يتمارض الطالب بسبب عدم الراحة والتوافق مع البيئة التعليمية.

رفقًا بالأطباء

وأكد الطبيب هشام الشيخ أن الطبيب إذا شخَّص الحالة ورأى أن هذا المريض يستحق الإجازة بالفعل والتي تصل إلى يومين أو ثلاثة أعطاه إياها، لأن الطبيب نفسه يعرف ما له وما عليه، وهو الشخص الموكَّل بتقدير ذلك، وبالطبع فإن الطبيب لن يكذِّب المريض إذا أخبره أنه يحتاج إلى راحة، لأننا لسنا قضاةً نحكم على المريض، فإذا كان مريضًا فعلاً ويحتاج للراحة فإن معظم الأطباء يتجاوبون مع المريض لأن الراحة جزء من العلاج، ولكن المشكلة تكمن في التحايل الذي يمارسه البعض.

من المسؤول..؟

أحال د. أحمد العطاوي أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة البحرين المشكلة إلى الطالب أو الموظف المهمل، والذي لايتحمل المسؤولية، كما أكد على تساهل أنظمة العمل والتعليم في قبول الأعذار التي تشجع الموظفين والطلاب على إهمال أعمالهم ودراستهم وخصوصًا في فترة الامتحانات.
فيما أشار الطبيب الشيخ أنه غالبًا ما تلام وزارة الصحة أو الطبيب، في الحين الذي يكون فيه أحيانًا مشرفو العمل هم الذين يعلِّمون موظفيهم على هذا الأسلوب، حيث إنه يطلب منه أخذ إجازة مرضية من المركز الصحي مع علمه بأن الموظف نفسه ليس مريضًا وكأنه يشجعه على هذه الطريقة في التعامل مع الإجازة، وهم بذلك يريدون من الطبيب أن يكذب ويغيِّب الحقيقة كي تسير أمور الموظف المتمارض بسلام.

نظرة الشرع

وقال العطاوي إن العامل والموظف والطالب الذي يذهب إلى الطبيب ويدَّعي المرض وهو ليس بمريض يعد كاذبًا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ومايزال الرجل يكذب حتى يُكتَب عند الله كذابًا). أما الطبيب فإذا تعامل مع كذِب من أتى إليه فكتب له تقريرًا يفيد مرضه فهو حينها يكون خائنًا للأمانة التي أدى القَسَم عليها وخالف نهْي الله تعالى في قوله “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاتَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ”، وتكون كتابته للتقرير تزويرًا للحقيقة.

هذه هي النتائج

يشير د. أحمد سعد إلى أن هذا الأمر يدمر اقتصاد البلد لأن كل شخص يأخذ هذه الإجازة غير المستحَقة، له عدد معين من ساعات العمل والتي تكون محسوبةً على الحكومة والدولة بمبلغ معين، فأنت بذلك الهروب من العمل تدمر اقتصاد البلد من حيث لاتشعر. الأمر الذي أكده الدكتور هشام، وأضاف أنها تؤثر على إنتاجية العمل سواء الحكومي أو الخاص، ومن ناحية سلوكية للفرد فإنها تعزز فيه اللامبالاة وعدم استشعار ثقل المسؤولية تجاه مجتمعه الذي يعيش فيه، كما أن هذا السلوك الخاطىء يغرس في الإنسان نفسه صفة ذميمة وهي التحايل بكل أشكاله، على المر نفسه وعلى الطبيب وعلى جهة العمل.

علاج المشكلة

يقول د. أحمد سعد إن الحل النفسي هو معرفة الأسباب الحقيقية لهذا التمارض، هل هذا الشخص يعاني فعلاً من دواع مرضية حقيقية أم هو يدعيها؟ إذا كان يدعي المرض وتوجد لديه مشاكل مع بيئة العمل فنحن نحاول معرفة هذه المشاكل والضغوط التي يعاني منها، ونقوم بدراسة هذه الحالة ومحاولة إيجاد حل لها قد يصل في نهاية المطاف إلى ضرورة تغيير بيئة العمل. كما يطلب من وزارة الصحة أن تدقق في الشهادات الطبية التي تصدرها.
ويضيف الطبيب الشيخ أن معظم الأمراض من الزكام والكحة تحتاج فقط إلى راحة وعلاجات منزلية ولاتستدعي القدوم إلى المستشفى وزيادة الأعباء عليه، وبالتالي فإن من الممكن التنسيق مع الأطباء بأن الأمر لايستدعي الإخطار والعذر الطبي.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com