IMG_8643

الاستحقاق الانتخابي الخامس.. غياب الوجوه المتدفقة بالمعرفة

النبأ: ناصر البهدير

في أحيان كثيرة تتسلل أسئلة خشنة ويدوي مفعولها عما تود طرحَه من فكرة، وربما تنثال أسئلة ناعمة تريح البعض. من تلك الأسئلة التي دارت بالخَلَد: كيف يتجنب مجلس النواب والمجالس البلدية مزالق النائب الضعيف الذي يفسد نفسه بتُخْمَة التَّبَلُّد مما يضر بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، كما يُلحِق الضرر بالمواطن على نحو خاص، لطالما أنه عماد التنمية والوطن!
أجد نفسي في مواجهة دائرة مكتظة بما يقترب من العشرين مرشَّحًا ودائرة أخرى تدور بين أفلاك ثلاثة مرشحين. تتتابع وتكثُر المتشابهات، فلم أدر بأيها أنطق وأبدأ عن الاستحقاق الانتخابي.

كيف تنمو فكرة التوازن وإنضاج نائب مثقف متمتع بالمنَعة والعتاد في توجيه كفة الوطن قبل كل شيء، وليس السلطة أو المواطن الذي يبحث عن راحته وخدماته الأساسية بل الترفيهية أحيانًا.
كان التباين واضحًا في العديد من الدوائر الانتخابية من ناحية عدد المترشحين وكذلك الفائزين، سواء كانت في النيابي أو البلدي كما أسلفت، وإنْ عدَّها معالي الشيخ خالد بن علي آل خليفة وزير العدل والشؤون الاسلامية والأوقاف، رئيس اللجنة العليا للإشراف على سلامة الانتخابات في المؤتمر الصحفي عشية ليل الانتخابات… من محاسن الديمقراطية أنْ نرى دائرة تكتظ بالمترشحين حتى وصل عددهم إلى ما يربو على سبعة عشر مترشحًا. وقد صدق الوزير حين قال إنها الديمقراطية التي تحلم بها الشعوب أينما كانت.
والمتابع للشأن السياسي ربما عدَّ الأمر ضمن مزايا الفعل الديمقراطي الرشيد، وآخر حسبها من معايب النظم الديمقراطية إذا أحسن اعتقاده في قوله، وذكر بأن الولايات المتحدة الأميركية نموذج ديمقراطي سيء المزاج حينما ارتاح على سدة رئاستها رئيس متهور وممعن في الخصومة وخاصة الاقتصادية منها. فعقليته عقلية رجل أعمال ليس إلا.. فبنَزَقه كاد أنْ يفجِّر كوكب الأرض بأفعاله وليدة اللحظة وقراراته الطائشة، والذي مايزال يمضي في الإسفاف.
هذا هو حال الديمقراطية تُسعِد الغالبية في شكلها العام وفي الوقت ذاته تنقُم عليها الغالبية بصورة مقزِّزة حينما يحدث لها الضرر من فعل كان في مصلحة المكوِّن الوطني. وليس بعيدًا عن ذلك انتخابات 2018 في البلاد، التي جرت يوم السبت الموافق 24/11/2018، والتي دخلت الآن في محكَّ طور الإعادة يوم السبت الموافق الأول من شهر ديسمبر القادم.
جاءت نتائج الانتخابات غير متوقَّعة على الإطلاق وغريبة في عدد من الدوائر كما قال البعض، واحتدم جدَلُها واختلط حابلُها بنابلِها. راهن البعض على الشباب ومثلهم على الجمعيات السياسية، وآخرون على المستقلين الذين جاءوا من كل حدْب وصوب نحو قُبَّةُ البرلمان.
تبدو المعادلة غير متوازنة، وقطعت النتيجة الناقصة قول كل محلل ومتفائل.
في إحدى الدوائر بمحافظة العاصمة تحرك المترشح المشاكس وقوي الشكيمة في دفاعه دومًا عن المشروع الإصلاحي لجلالة الملك، لإزاحة نائب سابق، وحالياً استطاع أن يجلس على مقاعد البرلمان للمرة الثالثة بعد 12 عامًا، وكأنه موظف حكومي على درجة رفيعة من الخدمة العامة. ومثله في دائرة أخرى بمحافظة المحرق. هنا يدور في الذهن سؤال: هل من جدوى وفاعلية لنائب يجلس لثلاث دورات على دَّكَّةُ البرلمان؟ ولو اكتسب الخبرة. وما المزايا التفضيلية التي أعادته إلى واجهة البرلمان؟ نتمنى في الميزان الديمقراطي أنْ يتاح للنائب العبور مرتين ولا أقول مرة «لأن الإنسان لايستطيع أن ينزل في نفس النهر مرتين» كما قال الفيلسوف اليوناني (هرقليطس). ببساطة لأن مياه النهر تتغير، كما فسر ذلك (فلوطرخس)، «لأن مياهاً جديدة تتدفق فيه».
وكذلك الظروف والتحوُّلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها تتغير بمرور الأيام. قضايا الأمس على الأرض ليست نفسَها اليوم أو الغد، لذا لابد من التجديد المشروط بدورتين فقط لا غير حتى لا يتسرب الوهَن إلى روح المجالس: ريحانة التطور في النظم الديمقراطية.
الجميع تواقٌّ لحلول مُرضية ومواكبة كما بان في وجوه كل الناخبين الذين تدافعوا للإدلاء بأصواتهم لاختيارمَن يمثلهم نحو التغيير والحياة الأفضل.
حفِل الاستحقاق الانتخابي بالكثير من المفاجآت رغم عدم اكتمال المشهد بعد أن تعثرت الجولة الأولى صوب بر الأمان. ولكن مع ذلك، يبقى القول إن التوقعات شيء، والواقع شيء آخر. فالأيام حُبلى أكثر مما مضى بترجيح كفة ما على أخرى في صناديق الاقتراع؛ ما في جوفها هو البصمة السرية.
لانزعم في الآمال بتركيبة برلمانية متجانسة؛ فالتجانس قد يعيق الدورة البرلمانية، بل قد تأتي كأصابع اليد الواحدة مختلفة ومع ذلك تؤدي واجبها بكل ثقة واقتدار وفي تناسق، كما فعل أفراد الفرقة الشعبية التي احتشدت عند مدخل نادي المحرق الرياضي، مقراللجنة الرابعة عشرة الواقعة في نطاق المراكز العامة، عصر العرس الانتخابي رغم تباين الأعمار والمهارات الإبداعية؛ فالراقصون بالسيف يختلفون عن الراقصين بالبنادق. وكذلك المؤدي الفنان الذي يرتدي علم مملكة البحرين البهيج، يختلف عن أداء الفنان الذي التزم بالزي الوطني التليد. بالطبع لن أنسى الضاربين على الدفوف فقد أبلوا بلاءً حسناً كما فعل بعض المترشحين الذين خذلهم الحظ وربما وعيُ الناخب أو أشياء أخرى. وهذا يجعلنا نعود إلى فقرة مرت في ثنايا قولنا.
تباعدت القدرات التعليمية والفكرية والثقافية والاجتماعية بين المترشحين وهذا من الطبيعي، ولكن أن يكون البون شاسعًا، فهذا ما لايمكن تصوُّره واحتماله. فالمرشح الذي ارتقى إلى أعلى الدرجات العلمية الأكاديمية بلا شك أن مفعول آرائه سيكون كبيرًا ويصب في زيادة موارد البلاد برمتها، أما الأدنى تعليميًا فسيكون عطاؤه محدودًا ولن يرتفع عن مستوى الاهتمام بخدمات دائرته؛ وإنْ كان منوطاً بالنائب دور أعظم من ذلك بكثير، عندما تقوده آلية البرلمان نحو التشريع وحماية البلاد والمواطن بالقوانين واللوائح دون أن تكون مسؤولياته لا تتعدى إصلاح ثقب أنبوب مياه تفَجَّر لسبب ما، أو البحث عن مسكن أو إعالة أسرة. تلك مسؤولية البلديات والدولة في عموميتها. وما على النائب عن الشعب هنا إلا المراقبة.
وشتان بين الذي يخطِّط والذي يبحث عن حظوظه للصعود إلى البرلمان عبر إغاثة الملهوف أو تدبير شأن صغير يقع في دائرة جهة ما!
على كل حال، تبقى الانتخابات النيابية والبلدية للعام 2018، خطوة مهمة في مسيرة العمل الوطني والإرادة الشعبية عبر مجالس أفضل وأقوى وأهم من كل النواحي، تأتي برافعة الوعي لدى المواطن في المقام الأول.. لبنة التطور والتنمية والتقدم.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com