نيكولا ساركوزي

الاستعمار.. الدَّين البغيض للسياسات الفرنسية..!

حين يتعلق الأمر بحقبة فرنسا الاستعمارية يلجأ السياسيون الفرنسيون إلى أقصى درجات الحذر والغموض، وهو ما يجعل مواقفهم محكومة في معظمها بتضارب وارتباك لافت، يمضي بحسب قناعات كل منهم وانتمائه الأيديولوجي والسياسي.
فبين (واجب الذاكرة) و(رفض التوبة) أو (إنكار) جرائم فرنسا في مستعمراتها السابقة، تتقاطع مواقف الطبقة السياسية الفرنسية إلى حد تبَنِّي خطاب مزدوج أحياناً، هرباً من مواجهة تحمل في طياتها حمماً قادرة على نسف الواقع السياسي الفرنسي الداخلي، وبعثرة ترتيب رموزه بشكل كامل.
وقد طفا الجدل حول هذا الملف الشائك على السطح مجدداً، إثر تصريحات إيمانويل ماكرون المرشح المستقل للانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي تنطلق يوم 23 أبريل المقبل في الجزائر مؤخراً، والتي وصف خلالها استعمار بلده للجزائر في الفترة من عام 1830 حتى عام 1962 بـ(الجريمة ضد الإنسانية).
لكن هل يظل ماكرون على موقفه من تلك الحقبة الاستعمارية حتى نهاية السباق الانتخابي أو إذا فاز بانتخابات الرئاسة؟ سؤال ربما تجيب عنه مواقف سياسيين وحكام فرنسيين آخرين بشأن ذلك الملف.
فرانسوا فِيون
مرشح اليمين الفرنسي للانتخابات الرئاسية المقبلة، فرانسوا فِيون، يعتبر خير مثال على تضارب واضح في المواقف بشأن الماضي الاستعماري لبلده.
ففي سبتمبر الماضي، أي قبل أقل من شهرين من الانتخابات التمهيدية لليمين التي جرت في نوفمبر الماضي، وصف فِيون الاستعمار الفرنسي بأنه «تبادل للثقافات!»، مندِّدا باعتبار البعض أن «الاستعمار شرٌّ سقط على البلدان التي غزتها فرنسا».
وأضاف أنه سيعمل على تغيير كتابة تاريخ فرنسا في مستعمراتها السابقة، ضماناً على حد تعبيره لـ»نظرة مغايرة للأجيال عن الاستعمار».
وفيون هو أكثر المرشحين قرباً من نظريات اليمين المتطرِّف، وبدا في أحد خطاباته حينذاك، داعماً لطبيعة قانون (تمجيد الاستعمار)، الصادر في فبراير 2005، حين قال إن فرنسا «غير مذنبة، وكل ما أرادتْه هو تقاسُم ثقافتها مع شعوب أفريقيا وآسيا وأميركا الشمالية!».
ويستخدم هذا القانون مصطلح (وجود) أو (تواجد) بدل (استعمار)، معتبراً أن هذا الوجود «نقل الحضارة إلى تلك البلدان وأخرجها من التخلُّف!».
لكن، وفي تحوُّل مفاجىء! وفق الإعلام الفرنسي، وفي مقابلة مع صحيفة (لوكوتيديان) الفرنسية نشرتها يوم 11 فبراير الماضي، وصف فيون، الاستعمار بـ(البغيض) تماماً مثل العبودية.
ووفق وسائل إعلام جزائرية، فإن الجانب الإيجابي من تصريحات ماركون وفيون يستهدف كسب تأييد أكثر من 1.5 مليون ناخب فرنسي من أصول جزائرية.
نيكولا ساركوزي
ولم يشذ الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي (2007- 2012)، عن ازدواجية التصريحات بشأن ملف الاستعمار.
ففي ديسمبر 2007، وصف خلال زيارة (صداقة) للجزائر، النظام الاستعماري الفرنسي للبلد العربي الجزائر بأنه «ظالم ويتناقض مع شعار الجمهورية: حرية، مساواة، أخوة».
ومضى قائلا إن «هذا النظام لايمكن أن يكون سوى مؤسسة استغلال. وأخطاء وجرائم الماضي لاتُغتفَر»، رافضاً في الوقت نفسه استخدام مصطلح (جرائم حرب) أو «جرائم ضد الإنسانية».
غير أنه بعد 4 سنوات، وتحديداً خلال حملته للانتخابات الرئاسية في العام 2012، تغير موقف ساركوزي تماماً، إذ قال إنه لايمكن لفرنسا «إعلان التوبة (الاعتذار) عن قيادتها» لحرب الجزائر، وإنه يتحتّم عليها «تحمُّل مسؤولية تاريخها!».
وتابع بقوله: «لكن أين تكمن مسؤولية فرنسا.. في أنها كانت قوة استعمارية أو أنها قبلت مسار إنهاء الاستعمار في الجزائر كما أجبرت على فعل ذلك جميع القوى الاستعمارية الأخرى؟».
وهكذا تراجع ساركوزى عن عباراته المنددة بالاستعمار، ليوظف ملف الاستعمار، وهو من المواضيع فائقة الحساسية لدى الرأي العام الفرنسي، في حملته الانتخابية سعياً إلى عودة إلى قصر الإليزيه.
فرانسوا أولاند
كيف تنظر فرنسا إلى ماضيها الاستعماري؟ هذا الاختبار العصيب لم ينج منه أيضا الرئيس الحالي فرانسوا أولاند.
ففي ديسمبر 2012، استنكر أولاند، في أول زيارة له إلى الجزائر إثر فوزه في الانتخابات الرئاسية، ما وصفه آنذاك بـ»النظام غير العادل بعمق والوحشي»، معترفاً بـ»المعاناة التي كبَّدها الاستعمار للشعب الجزائري».
وهو موقف بدا مؤثراً، وفق الإعلام الفرنسي، غير أن تعاطف الرئيس الفرنسي كان منقوصاً من اعتذار كان سيعني الكثير بالنسبة للشعب الجزائري.
ورأى مراقبون في حديث أولاند رمزية تطغى على أبعاده الواقعية، بمعنى أن تصريحاته لم تتجاوز محاولات إخراج علاقات فرنسا مع الجزائر من الفتور الطاغي عليها؛ بسبب عدم اعتراف واعتذار فرنسا عن الجرائم التي اقترفتها خلال 132 عاماً من استعمارها للجزائر. وهو توجُّه ترجمته الحركات الرمزية، بحسب وصف الإعلام المقرب من الاشتراكيين الفرنسيين، والتي ظهرت في بعض محطات ولاية الرئيس الاشتراكي الرئاسية.
ففي أبريل 2015، زار جان مارك توديسكيني كاتب الدولة الفرنسي المكلف بشؤون قدامى المحاربين، مدينة سْطِيف الجزائرية، وهي مسرح المجازر الفرنسية المرتَكبة بحق الجزائريين في 8 مايو 1945.
وأولاند هو أول رئيس فرنسي شارك في العام 2016 في الاحتفالات المخلدة لوقف إطلاق النار بين جيش التحرير الوطني في الجزائر وفرنسا، في 19 مارس 1962، وهو ما يدعم، بحسب مراقبين «الارتباك الشديد» للطبقة السياسية الفرنسية في التعامل مع إرثها الاستعماري، وخصوصاَ جرائمها الاستعمارية في الجزائر.
ومنذ استقلال الجزائر عن فرنسا عام 1962، تدعو الجزائر رسمياً وشعبياً، إلى اعتذار فرنسا رسمياً عن جرائمها الاستعمارية، غير أن باريس تعتبر أنه لا حاجة لأنْ يعتذر الأبناء عما ارتكبه الآباء والأجداد.
وما بين مطالب الجزائر وموقف فرنسا، يخيم أكثر من قرن من الاستعمار على العلاقات بين البلدين، في انتظار اعتراف واعتذار قد يخففان «دَيْنا» وقد يثقل أو يربك السياسين والحكام المتعاقبين في باريس.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com