ghani FFCS micro

الخبر الميتافيزيقي وآليات التصديق

بقلم: د محمد غاني*

يقول الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيجل 1770-1831: “إنَّ المجتمعات الحديثة تنشأ عندما يُبدَّل الدين بالأخبار كمصدر أساسيٍّ لتوجيهاتنا، حيث تحتل الأخبار في الاقتصادات المتقدمة مكانة السلطة – على الأقل – التي كانت مساوية للأديان”1.
لاشك أن هذا الربط الهيجلي بين الدين والأخبار قد يبدو غريباً بعض الشيء في أول نظر تأملي، لكن سرعان ما يتبدد هذا الاستغراب حين نجد بعد تقليب الفكرة مرات ومرات على نار فكرية هادئة أن هناك سببين عميقين لهذا الربط الفلسفي (الراشد).
لا غرو أن الدين هو خبر ميتافيزيقي يُخبَر به أحد الناس الذين لايختلفون عنا عبر كائنات ميتافيزيقية (ملائكة)، أو عبر إسراء روحي وجسدي كما حصل لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، فزار أمكنة لم يزرها غيره، فكان مراسلاً ينقل الخبرَ اليقينَ لمن لم يتمكن من معاينة الخبر عينياً.
لا عجب أن تكون آلية تصديق الخبر الميتافيزيقي هي نفسها آلية تصديق الخبر الفيزيقي، والتي ليست غير الثقة بالجهة التي تنقل الخبر؛ ولذلك كان الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه أميناً بل هو (الأمين) بين أهل قريته، حيث بهذا الوصف اشتُهِر قبل الرسالة حتى يكون شاهداً عليهم بصدق نبوته.
يبدو الربط الهيجلي وجيهاً أيضاً حين يتبدى الرابط الثاني بين الدين والخبر في كون كليهما موجَّه لنا في قراراتنا، وهو ما عبر عنه صراحة الفيلسوف هيجل في القولة آنفاً، كما عبر عنه النبي الموحى إليه محمد صلوات الله وسلامه عليه، فيتقاطع الدين مع الفكر حين نقرأ الحديث الشريف المعروف: عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِ صلَى الله عليه وسلم قَالَ: “إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ (النذير العريان مصطلح عربي يعني أنني صادق فيما أخبركم به) فَالنَّجَاءَ. فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا (أي ساروا ليلاً) فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ فَصَبََّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ” 2.
شبه الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم مهمته في تبليغ الرسالة بمن أخبر قومه بما لم يتمكنوا من معاينته بأنفسهم، فمن صدق نجا ومن لم يصدق هلك، لذلك كان من آليات التصديق صدق المبلِّغ وثقة المُبلَّغ، ولذلك بلور علماء الإسلام علمَ الجَرْح والتعديل من أجل مراقبة جودة contrôle de qualité علماء الاسلام ورجالاتهم في إخبارهم وأخبارهم.
يلتقى الدين مع الأخبار في نظرنا أيضاً في كونه سبورة تعليمية، الأولى روحية والثانية سمعية بصرية، ألم يبعث الله الغراب ليعلم قاتل هابيل وإنْ كان كافرا ليريَه كيف يواريَ سوءة أخيه؟ ألم يقل الكاتب ألان دي بوتون مؤلف الكتاب الذي نتحدث عنه “إنَّ أكثر التعليم قوة واستمرارًا يتمثل عن طريق موجات الأثير والشاشات. بعد المرور في شرنقة التعليم في الفصول الدراسية على مدى ثمانَي عشرة سنة أو نحو ذلك، فإننا نقضي بقية حياتنا تحت وصاية الكيانات الإخبارية التي تمارس تأثيرًا لا نهائيًّا فوق رؤوسنا أكبر من أيِّة مؤسسة تعليمية. بمجرد الانتهاء من التعليم الرسميِّ، فإنَّ الأخبار تكون هي المعلم. إنها واحدة من القوة الأكثر أهمية لتحديد وتيرة الحياة العامة، وتشكيل انطباعاتنا عن المجتمع من حولنا، إنها المكون الرئيسي للواقع السياسي والاجتماعي”.3
نوافق الكاتب في أكثر مما قال لكننا نختلف معه في نصيحته للقارىء  بالابتعاد عن دوامة الأخبار والاستمتاع ليوم واحد، لا شيء سوى المطر وبنات أفكارنا، حيث نرى أن النصيحة كان ينبغي أن تتجه الى التنبيه إلى فرز الغث من الثمين منها، فهو سبيل النجاة من مكرها.
* باحث في الأكسيولوجيا والديونطولوجيا
ــــــــــــــــــــــــ
1، أنظر ترجمة مقدمة كتاب (الأخبار: دليل المستخدم) لمؤلفه ألان دي بوتون، موقع المترجم بندر الحربي.
2، متفق عليه.
3، أنظر ترجمة مقدمة كتاب (الأخبار: دليل المستخدم) لمؤلفه ألان دي بوتون، موقع المترجم بندر الحربي.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com