02

الشهيد الحلبي: ما يجري للأقصى هو ما يجري لمقدساتنا ومسرى نبينا

تشهد القدس منذ بداية أكتوبر 2015 حالة من الانتفاض على واقع فرَضه الاحتلال الصهيوني منذ عام 1948، وربما قبل ذلك عندما بدأت عصاباته تحضِّر لطرد الفلسطينيّين من أرضهم. وبعد ثلاثة أشهر على بدء الحراك الشعبي في القدس ورجْعُ صداه في الضفة وغزة والأراضي المحتلة عام 1948، فإن واقع ما يجري على الأرض أظهر أن الفلسطينيين لايسعون إلى معادلة الأمن أو الرَّفاه في ظل الاحتلال، بل إن هدفهم الأول هو إنهاء الاحتلال. كما أعادت الانتفاضة تأكيد الثوابت الفلسطينية: التّمسك بالأرض والمقدسات، والإصرار على خيار المقاومة لطرد الاحتلال.

قبلة المقاومة

شكلت مخطّطات الاحتلال للاعتداء على الأقصى وتقسيمه والانقلاب على الوضع التاريخي القائم في المسجد والتضييق على المصلين وتجريم الرِّباط فيه، العامل الأكبر في انطلاق الانتفاضة. فالشهيد مهنَّد الحلبي قبل أن يخرج لتنفيذ عملية الطعن في البلدة القديمة في القدس كتب على حسابه الشخصي على موقع (فيسبوك) «الانتفاضة الثالثة قد انطلقت. ما يجري للأقصى هو ما يجري لمقدساتنا ومسرى نبينا، وما يجري لنساء الأقصى هو ما يجري لأمهاتنا وأخواتنا. فلا أظنّ أنَّا شعب يرضى بالذل. الشعب سينتفض، بل ينتفض». كما نشر صورة لامرأة فلسطينية تقْمَعُها مجنَّدات في (جيش) الاحتلال، وأرفق معها تعليقًا: «تمعَّن وقِسْها على أمك أو أختك.. ماذا تشعر الآن!»
وهكذا فإن مقولة «الأقصى الخط الأحمر» لم تكن من دون معنى بالنسبة إلى الشباب الفلسطيني، ومظاهر الاعتداء على المرابِطات ومنع المصلين من دخول المسجد، فيما المستوطنون يمارسون طقوساً تلمودية في المسجد، كما أن محاولات الاحتلال تثبيت تقسيم المسجد لم تكن لتمر من دون محاولة لوقفها وردعها وإحباطها.
وفي هذه الجزئية الأساسية تتقاطع انتفاضة القدس مع الانتفاضات والهَبَّات السابقة، لاسيما انتفاضة القدس التي انطلقت عام 2000 على خلفيَّة اقتحام شيء الذكر أرئيل شارون المسجد الأقصى. وفي الوقت الذي كانت فيه الدول العربية غير قادرة على إحباط المخططات (الإسرائيلية)، مكتفية ببيانات الشجب والإدانة فإن انتفاضة القدس أكدت أن حسابات الميدان في الأقصى كما توهَّمها الاحتلال لايمكن أن تتطابق مع حسابات البيدر كما حددها الفلسطينيون.

سياسة الهدْم

وصف ابن الشهيد إبراهيم العكاري هدْم الاحتلال منازل منفِّذي العمليات بـ(السياسة التافهة)، في حين قالت زوجة الشهيد إن الهدم لن يكون رادعًا بل سيفجِّر الأوضاع بشكل أكبر. وهما بذلك أكدا أن هذه السياسة لن تؤثر في عزيمة الشعب الفلسطيني وتمسُّكِه بالمقاومة كخيار أول في مواجهة الاحتلال، الذي يحاول اتخاذ سلسلة من الإجراءات لتكون عامل ردْع للفلسطينيين فيمتنعون طوعًا عن استهداف الاحتلال خوفًا على عائلاتهم التي ستتشرَّد من جراء هذا الإجراء.
وبالفعل، فإن إقدام الاحتلال على تنفيذ هذ الإجراء الذي طال منازل شهداء وأسرى في الضفة الغربيّة بما فيها القدس لم يشكل رادعًا، ولن يكون كذلك في ظل وجود الحاضنة الشعبية، ومن يفكر في استهداف الاحتلال لن يتأخر عن التنفيذ عندما يجد إلى ذلك سبيلاً طالما أن أهل الشهداء والأسرى يُرْخِصون الدم لتحرير فلسطين والذَّود عن الأقصى، مع العلم أن عمليات استهداف الاحتلال لم تتوقف بعد هدم المنازل أو غيرها من الإجراءات (الإسرائيلية) الساعية إلى تركيع الفلسطينيين.

التّكافل والتضامن

لم تكد قوات الاحتلال تفجِّر منزل الشهيد إبراهيم العكاري في مخيم شعفاط في 2/12/2015 حتى كان لعائلته بيت استأجره أهل المخيم وجهَّزوه وأثثوه لإيواء عائلة الشهيد ريثما يتم بناء منزلهم. فقد أطلق شباب المخيم حملة دعم وتكافل لجمع التبرعات لإعادة إعمار منزل العكاري جَمعت ما يزيد على 300 ألف شيكل (80 ألف دولار). كما أُطلقت حملة في نابلس في 6/12/2015 بعنوان (إعمار منازل الأحرار) بعدما هدم الاحتلال 5 منازل لأهالي الأسرى المتهمين بتنفيذ عملية بيت فوريك. وقد جمعت الحملة في اليوم الأول من إطلاقها 115 ألف شيكل، منها 100 ألف شيكل في الساعات الأربع الأولى من إطلاقها، علاوة على التبرعات العينية.
وبينت هذه الحملات أن الفلسطينيين متمسكون بمقاومة الاحتلال وداعمون لهذا النضال، وهم جزء منه، فالمبادرون إلى التصدي للاحتلال إنما ينوبون عن الأمة وأبطال المقاومة باحتضان عوائلهم وتقديم الدعم لهم من دون أن يعني ذلك سقوط الواجب عن باقي مكونات الأمة، لاسيما المستوى الرسمي ذي المواقف المتهالكة.

أجمل الأمهات

وقد ودّعت أمهات الشهداء أولادهن بالزَّغاريد، وكانت أمُّ الشهيد مهند الحلبي نموذجًا لـ(أجمل الأمهات) التي احتضنت استشهاد ابنها فداءً للأقصى، وفي حين إن أم مهند لم تنكر شعورها بالحزن على فقْد ولدها إلا أنها ودَّعته إلى مثواه بالرِّضَى وباليقين وبعقيدة ثابتة أن «الأقصى غالي، يعني بيرخص له.. ويا ريت بإيدي أروح أنا، أضحِّي بحياتي وأروح أستشهد عشان الأقصى». وبالثبات ذاته والعقيدة نفسها ودعت أم الشهيد معتز قاسم من العيزرية ولدها، وأم ضياء التلاحمة، وغيرهن الكثيرات اللواتي أجمعن على أن فلسطين والأقصى أهلٌ للتّضحية بالنفس والولد.

هنا فلسطين!

أعادت انتفاضة القدس بما شهدته من مظاهر الحراك في الضفة الغربية، والتضامن في غزة والتّجاوب مع ذلك في أراضي الـ1948 رسم خارطة فلسطين وتحديد هواها وهويتها. ففلسطين في عقول أبنائها ليست مساحة الـ20% التي يحاول الاحتلال مشاركتهم فيها، بل هي كل فلسطين المحتلة منذ عام 1948 ولن تكون غير ذلك.
هذه بعضٌ من إشراقات انتفاضة القدس، وهي كلُّها إشراقة بما تحمله من إيمان وعزم وثبات، ويبقى من المهم ألا تُضيَّعَ في زواريب السياسة المظلمة أو متاهات المصالح الضيِّقة والانقسامات والاصطفافات كي لاتضيع دماء الشهداء كما أضاعت اتفاقيّات التّنازل والاستسلام من قبْل تضحياتِ الفلسطينيين في الانتفاضات السابقة.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com