منظمة العفو الدولية

العفو الدولية: يجب أن تأخذ العدالة في ميانمار مجراها بحق كبار ضباط الجيش

حرصت منظمة العفو الدولية على جمع أدلة موسعة وموثوقة تثبت تورط القائد الأعلى لجيش ميانمار، الفريق مين أونغ هلينغ، و12 شخصا آخرا في جرائم ضد الإنسانية ارتُكبت إبان عملية التطهير العرقي المنفذة بحق أقلية الروهنغيا في ولاية أراكان شمال البلاد.
ويدعو التقرير الشامل الصادر بعنوان “سوف ندمر كل شيء: مسؤولية الجيش عن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في ولاية أراكان بميانمار”، إلى إحالة ملف الأوضاع في ميانمار إلى المحكمة الجنائية الدولية لإجراء التحقيق والسير بإجراءات الملاحقة الجنائية.
وبهذه المناسبة، قال كبير مستشاري شؤون الأزمات لدى منظمة العفو الدولية، ماثيو ويلز: “لم يكن اندلاع أعمال العنف بما في ذلك جرائم القتل والاغتصاب والتعذيب والحرق والتجويع القسري التي ارتكبتها قوات أمن ميانمار في مختلف قرى ولاية أراكان شمالي البلاد مجرد أفعال أقدمت عليها مجموعة مارقة من الجنود أو الوحدات العسكرية. وثمة كم هائل من الأدلة يثبت أن تلك الأفعال كانت جزءاً من هجوم ممنهج عالي التنسيق استهدف أفراد أقلية الروهنغيا”.
تجب محاسبة من تلطخت أيديهم بالدماء وصولاً إلى ضباط الصف الأول في الجيش، وقائد أركانه الفريق مين أونغ هلينغ، على الدور الذي قاموا به في الإشراف على ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية أو المشاركة فيها، وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة بموجب أحكام القانون الدولي.
وأضاف ويلز قائلاً: “تجب محاسبة من تلطخت أيديهم بالدماء وصولاً إلى ضباط الصف الأول في الجيش، وقائد أركانه الفريق مين أونغ هلينغ، على الدور الذي قاموا به في الإشراف على ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية أو المشاركة فيها، وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة بموجب أحكام القانون الدولي”.
مراكمة الأدلة
يورد تقرير منظمة العفو الدولية أسماء تسعة من قيادات الصف الأول في القوات المسلحة لميانمار المعروفة باسم “تات ماداو”، وأسماء ثلاثة من كبار ضباط شرطة حرس الحدود كونهم لعبوا دورا محوريًا في حملة التطهير العرقي.
ويأتي هذا التقرير تتويجاً لجهود بحثية موسعة أُجريت على مدار تسعة أشهر في الكثير من المواقع، بما في ذلك داخل ميانمار وبنغلادش، كما يوفر التقرير الرواية الأكثر شمولاً التي توثق تفاصيل قيام جيش ميانمار بعد 25 أغسطس/ آب 2017 بإجبار 702000 امرأة ورجل وطفل على الفرار إلى بنغلادش؛ ويجدر التنويه بأن ذلك العدد يشكل ما يزيد على 80 في المائة من سكان الروهنغيا في ولاية أراكان الشمالية وقت اندلاع الأزمة.
ويورد التقرير تفاصيل جديدة حول هرم القيادة في جيش ميانمار وطريقة نشر الجنود وعمليات الاعتقال والاختفاء القسري والتعذيب التي نفذتها قوات الأمن بحق رجال وصبية من الروهنغيا في الأسابيع التي سبقت مباشرة اندلاع الأزمة الراهنة.
وسبق لمنظمة العفو الدولية وأن وثقت تفاصيل الرد المؤلم لجيش ميانمار على الروهنغيا في أراكان في سياق سياسة مطبقة منذ أمد قوامها التمييز والفصل المؤسسي الذي يصل إلى مستوى الفصل العنصري بحق أفراد تلك الأقلية، كما تخللها مراحل شهدت ارتكاب جرائم يعاقب عليها القانون الدولي من قبيل القتل والاغتصاب والتعذيب والحرق المستهدف للقرى على نطاق واسع، واستخدام الألغام، والتجويع القسري، والترحيل الجماعي وغير ذلك من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
ويعتمد التقرير الجديد على أكثر من 4000 مقابلة وكم عائل من وثائق الأدلة التي تشمل صورا ملتقطة بالأقمار الصناعية، والصور الفوتوغرافية الموثوقة، ولقطات مصورة، وتحليلات خبراء البحث الجنائي والأسلحة، كي يستعرض تفاصيل مروعة ترسم أنماطاً من الانتهاكات المرتكبة في سياق “عمليات التطهير” التي نفذها الجيش . كما يحدد التقرير الحالي ألوية أو كتائب الجيش الضالعة في ارتكاب أسوأ الفظائع. وقد وثقت منظمة العفو الدولية قيام قوات الأمن بارتكاب تسعة من أصل 11 نوعاً من أنواع الجرائم ضد الإنسانية، وردت في نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.
قوات قتالية
يوثق التقرير كيف قامت قيادة الجيش العليا بنشر أشرس كتائبها القتالية ذات الصيت السيء على صعيد ارتكاب الانتهاكات في مناطق أخرى من البلاد قبيل واثناء العمليات المنفذة في ولاية أراكان شمال البلاد. وقد كان لذلك الإجراء تبعات مدمرة على أفراد اقلية الروهنغيا.
وحرصت قوات ميانمار المسلحة، في الأسابيع التي سبقت يوم 25 أغسطس/ آب، على جلب كتائب من اللواءين 33 و99 مشاة، هذا بالإضافة إلى لواءين قتاليين سبق لمنظمة العفو الدولية، وأن أثبتت ضلوعهما في ارتكاب جرائم حرب في ولايتي كاتشين وشان الشمالية أواخر العام 2016، ومنتصف العام 2017، في سياق النزاع الداخلي المسلح الدائر هناك حالياً.
ولم يتأخر قادة الجيش الذين جاءوا إلى بعض قرى الروهنغيا عن بيان نواياهم بوضوح منذ البداية. وقبل خمسة أيام من بلوغ أعمال العنف ذروتها، وفي يوم 20 أغسطس/ آب 2017 تحديدا، التقى أحد قادة الجيش الميدانيين من اللواء 33 مشاة خفيف في تشوت بيين بأعيان الروهنغيا من القرى التابعة لمحلية راثيدونغ. وأفاد سبعة أشخاص حضروا الاجتماع وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات معهم على حدة أن القائد المذكور قد هدد بأن جنوده سوف يفتحون النار على الروهنغيا بشكل مباشر وعشوائي إذا ثبت وجود أي نشاط في المنطقة، أو إذا أقدم القرويون على القيام بأمر “مخالف”.
كما حصلت منظمة العفو الدولية على تسجيل صوتي باللغة البورمية، وتعتقد أنه تسجيل موثوق، يُظهر ما دار في مكالمة هاتفية بين أحد أفراد الروهنغيا من سكان إين دين التابعة لمحلية منغدو، وأحد ضباط جيش ميانمار المتمركز في المنطقة. وجاء على لسان الضابط ما يلي أثناء تلك المكالمة: “لقد تلقينا أمرا بحرق القرية عن بكرة أبيها إذا حصلت أية قلاقل. وإذا لم تبقوا أنتم القرويون مسالمين، فسوف ندمر كل شيء”.
وقد وثقت منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات بشكل جيد تفاصيل موجة العنف التي أعقبت تلك الأحداث، حيث أقدمت قوات الأمن على حرق قرى الروهنغيا بالكامل أو بشكل جزئي في مختلف مناطق ولاية أراكان الشمالية. ويورد التقرير الحالي تفاصيل إضافية حول مدى اتساع نطاق الاعتداء على الروهنغيا وطابعه المنهجي المنظم، بما في ذلك تفاصيل ارتكاب مذابح جماعية في قرى تشوت بيين، ومن غيي، وماونغ نو التابعة للمحليات الثلاث آنفة الذكر. وقُتل الآلاف من النساء والرجال والأطفال الروهنغيا عقب تقييدهم، وإعدامهم بإجراءات موجزة، أو بإطلاق النار عليهم أثناء فراراهم من المنطقة، أو حرقهم أحياءً داخل منازلهم، ولو أنه من الصعب أن يتم تحديد العدد الدقيق لقتلى عملية الجيش تلك.
وأقدمت قوات الأمن على اغتصاب نساء وفتيات من أقلية الروهنغيا في قراهن وأثناء فرارهن باتجاه بنغلادش. وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 20 امرأة وفتاتيْن تعرضن للاغتصاب والعنف الجنسي في 16 موقعا مختلفا في البلديات الثلاث الواقعة في ولاية أراكان الشمالية. وانتشرت تلك الممارسة على نطاق واسع بحيث روعت تجمعات الروهنغيا، وساهمت في تعظيم مفعول الحملة الرامية إلى إجبارهم على الفرار من تلك الولاية الشمالية. كما قُتل أفراد عائلات بعض ضحايا الاغتصاب أمام أعينهن. وتركت قوات الأمن في قرية واحدة على الأقل ضحايا الاغتصاب داخل البنايات قبل أن تضرم النيران فيها.
الاعتقالات والتعذيب
في ظل تنامي التوتر قبيل هجمات 25 أغسطس/آب، وفي الأيام التي أعقبت ذلك، قامت قوات أمن ميانمار باعتقالات تعسفية بحق المئات من رجال وصبية الروهنغيا في مختلف قرى ولاية أراكان الشمالية. وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 23 رجلا وصبييْن قامت قوات الأمن باعتقالهم وتعذيبهم وإساءة معاملتهم في تلك الفترة.
وذكر هؤلاء الرجال والصبيان أنهم قد تعرضوا للضرب المبرح مرارا أثناء القبض عليهم قبل أن يتم اقتيادهم إلى قواعد شرطة حرس الحدود حيث جرى احتجازهم بمعزل عن العالم الخارجي لأيام أو أسابيع في بعض الأحيان.
وقام ضباط من شرطة حرس الحدود بتعذيب المحتجزين أملاً في انتزاع المعلومات منهم، أو لإجبارهم على الاعتراف بضلوعهم في نشاط ضد الحكومة. ووثقت منظمة العفو الدولية تفاصيل التعذيب في اثنتين من قواعد شرطة حرس الحدود، وتحديدا في قاعدة تاونغ بازار التابعة لمحلية بوثيداونغ الشمالية، وفي قاعدة أخرى تقع في قرية زاي دي بيين التابعة لمحلية روثيداونغ. وذكر عددٌ من ضحايا التعذيب أسماء ضباط شرطة حرس الحدود المسؤولين عن ممارسات التعذيب في القاعدتين.
كما وصف المحتجزون الذين جرى إخلاء سبيلهم لاحقا أساليب التعذيب المتبعة، والتي شملت ممارسات من قبيل الضرب المبرح، والحرق، والإيهام بالغرق، والاغتصاب وغير ذلك من أشكال العنف الجنسي. ووصف عددٌ من الرجال الروهنغيا الذين كانوا محتجزين في قاعدة شرطة حرس الحدود في تاونغ بازار كيف تم حلق لحاهم عنوة. ووصف آخرون وصبيان احتُجزوا في قاعدة الشرطة الأخرى في زاي دي بيين كيف تم حرمانهم من الماء والطعام، مع تعرضهم للضرب المبرح إلى درجة أوشكوا معها على الموت، وأفادوا بأنه قد تم حرق أعضائهم التناسلية في الكثير من الحالات إلى أن أُصيبت بتقرحات أو بثور.
وأخبر مزارع من إحدى القرى التابعة لمحلية راثيدونغ منظمة العفو الدولية بما يلي: “كنت أقف ويداي مقيدتين خلف رأسي، وثم نزعوا عني إزاري ووضعوا شمعة مشتعلة أسفل قضيبي. وكان أحد الضباط يحمل الشمعة بينما انهمك الضابط الأعلى رتبة في إعطاء الأوامر… وقالوا لي: (قل الحقيقة وإلا فسوف تموت)”.
وقضى بعض المحتجزين نحبهم تحت التعذيب في الحجز، لا سيما شاب يبلغ من العمر 20 عاما تعرض للضرب حتى الموت بلوح خشبي بعد أن طلب شرب بعض الماء.
وأُجبر المحتجزون على دفع رشى ضخمة والتوقيع على وثيقة يقرون فيها بعدم تعرضهم أبدا للإساءة، وذلك إذا أرادوا أن يتم إخلاء سبيلهم. ولما توفر سلطات ميانمار بعد أية معلومات عمن لا يزالون قابعين في الحجز على الرغم من مرور 10 أشهر على الأحداث، كما إنها لما تفصح بعد عن أماكن احتجازهم أو طبيعة التهم المسندة إليهم إن وُجدت. ويجدر التذكير بأن عمليات الاحتجاز تلك ترقى إلى مصاف الاحتجاز التعسفي وفق أحكام القانون الدولي.
مسؤولية الجيش
اطّلعت منظمة العفو الدولية على وثائق سرية تتعلق بجيش ميانمار. وتشير تلك الوثائق إلى أن القوات في الميدان تخضع أثناء العمليات العسكرية التي هي على شاكلة تلك المنفذة في ولاية أراكان الشمالية لسيطرة صارمة من كبار قادة الجيش. وتُفرض على وحدات الألوية القتالية التي ارتكبت الغالبية العظمة من الجرائم بحق الروهنغيا شروط صارمة للإبلاغ عن تحركاتهم وحالات الاشتباك واستخدام السلاح، وهي معلومات كان لا بد لكبار القادة وأن يكونوا على علم بها، أو كان ينبغي أن يكونوا كذلك.
وبالإضافة إلى ذلك، توجه كبار قادة الجيش، وخصوصا الفريق مين أونغ هلينغ، إلى ولاية أراكان الشمالية قبل بدء حملة التطهير العرقي مباشرة أو أثناء تنفيذها، وذلك للإشراف على بعض مراحل العملية التي جرى تنفيذها هناك.
وقد علم كبار قادة الجيش، أو كان ينبغي أن يعلموا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ولكنهم تقاعسوا مع ذلك عن استعمال صلاحياتهم القيادية للحيلولة دون وقوع تلك الجرائم، أو وقف ارتكابها، أو معاقبة مرتكبيها، لا بل إنهم حاولوا أن يبيضوا صفحة الجيش، ويفندوا وقوع الغالبية العظمى من تلك الجرائم فيما بعد. وعلاوة على ذلك، ثمة أدلة كافية تتيح المطالبة بفتح تحقيق فيما إذا كان بعض أولئك القادة أو جميعهم قد تورط بشكل مباشر في التخطيط لجرائم القتل والاغتصاب والتعذيب وحرق القرى، أو إصدار الأوامر بارتكابها، أو القيام بارتكابها شخصيا.
ويكشف تقرير منظمة العفو الدولية هويات 13 شخصا لعبوا أدوارا رئيسية في الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. وتدعو المنظمة إلى محاسبة جميع المسؤولين عن ارتكابها وجلبهم للمثول أمام القضاء (وسوف يتم نشر أسماء أولئك الأشخاص عقب المؤتمر الصحفي المزمع في 26 يونيو/ حزيران الجاري).
وقت المساءلة
في ظل تنامي الضغوط الدولية، أعلنت سلطات ميانمار الشهر الماضي عن تأسيس “هيئة مستقلة للاستقصاء” كي تُعنى بالتحقيق في مزاعم وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان. وأما التحقيقات التي قامت بها الحكومة السابقة أو تلك التي تصدر لها الجيش بشأن الانتهاكات في ولاية أراكان، فلم تتجاوز كونها محاولة لتبييض صفحة الجيش وتبرئته من الفظائع التي ارتكبها.
وبينما ينهمك المجتمع الدولي في بناء التوافق الدولي وحشد الدعم لإحالة ملف الأوضاع في ميانمار إلى المحكمة الجنائية الدولية، ينبغي عليه أيضا أن يبادر من خلال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى استحداث آلية تُعنى بجمع الأدلة والحفاظ عليها بغية استخدامها في إجراءات الملاحقة الجنائية مستقبلا.
وأضاف ماثيو ويلز قائلاً: “لا ينبغي أن يُخدع المجتمع الدولي بأحدث محاولة لتحصين الجناة وحمايتهم من المساءلة. ويتعين عليه بدلا من ذلك أن يضع حدا لسنواتٍ من الإفلات من العقاب، ويكفل عدم تكرار هذه الحقبة المظلمة من تاريخ ميانمار الحديث”.
وأردف ماثيوز القول إنه “يتعين على مجلس الأمن أن يتوقف عن التلاعب السياسي بالأمور، ويبادر على الفور إلى إحالة ملف الأوضاع في ميانمار إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويفرض حظرا شاملا على توريد الأسلحة إلى ميانمار، ويطبق عقوبات مالية تستهدف كبار المسؤولين عن وقوع جرائم وانتهاكات خطيرة”.
وتابع ماثيوز قائلا: “وبينما ينهمك المجتمع الدولي في بناء التوافق الدولي وحشد الدعم لإحالة ملف الأوضاع في ميانمار إلى المحكمة الجنائية الدولية، ينبغي عليه أيضا أن يبادر من خلال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى استحداث آلية تُعنى بجمع الأدلة والحفاظ عليها بغية استخدامها في إجراءات الملاحقة الجنائية مستقبلا”.
واختتم ماثيوز تعليقه قائلا: “من شأن التقاعس عن التحرك الآن أن يثير السؤال التالي لا سيما في ضوء توافر هذا الكم الهائل من الأدلة: ماذا يحتاج المجتمع الدولي أكثر من ذلك كي يأخذ العدالة على محمل الجد؟”.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com