IMG-20170525-WA0023

النازحون في «اليمن السعيد».. حزن جاثم وألم عاصف..!

في غرفة صغيرة في مدينة جعار بمحافظة أبْيَن جنوبي اليمن، تعيش حورية علي أحمد الجنيدي (55 عامًا) وأولادها المعاقون، في ظروف قاهرة ومؤلمة، بعد أن دفعتهم الحرب إلى ترك منزلهم في منطقة (الحيكل) بمحافظة البيضاء وسط البلاد.
إنها امرأة يخال لك وأنت تنظر إلى حالها وأولادها الأربعة الذين من بينهم معاقان.. أفراح، (32 عامًا)، وعلي، (20 عامًا)، وعبدالله، (18 عامًا)، وأميرة صالح أحمد، (13 عامًا) أن كل مصائب الدنيا قد وُضِعت على رأسها.
تحاول عبثًا منحهم شيئًا من وهج الحياة المفقود في أعينهم، تمسح رؤوسهم بيدٍ حانية، وقلب رؤوف رحيم، ولسان حالها يقول: «ليس الحزن وحده هو المكتوب يا أولادي، ولكنه العذاب».
تشعر عندما تدلف غرفتها، أن مستعمرات من الحزن اجتاحت تلك البقعة المغلقة عن كل شيء، إلا من رحمة المولى جل جلاله، حزن جاثم وألم عاصف، وحياة ممزقة بين واقع كثير المنغِّصات ومشاهد تترى بالملمات، نطقت بها جدران الغرفة العتيقة، قبل الألسنة لتحكي فصلاً جديداً من كتاب عنوانه (المأساة في بلد الإيمان، أحزان وآلام).
تكالبت على حورية ظروف الحياة القاهرة؛ وفاة زوجها في حادث سير بالمملكة العربية السعودية قبل 5 سنوات، وإعاقة 4 من أولادها، ومقتل ولدها (علوي) السوي الوحيد في أسرتها على يد شقيقه المختل عقليًا قبل 3 سنوات.

جبال الهموم

وأعقب ذلك قهر وتشريد ونزوح وضياع جراء الحرب الدائرة في منطقتها، بين جماعة (الحوثيين) من جهة، وقوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، من جهة أخرى، فأصبح الهم همين والألم ألمين.
اسودَّت الدنيا في عينيها يوم وجدت نفسها طريدة خارج ديارها تلتحف العناء وترتشف الشقاء، وأكثر من ذلك أنها ملزمة برعاية أولادها المعاقين، وهي المحتاجة أصلاً إلى من يرعاها، ويمسح غبار التعب من على جسدها المنهك والمثقل بالكثير من الآلام.
قالت حورية وهي تسرد تفاصيل معاناتها لوكالة (الأناضول): «أعيش وأولادي ظروفًا قاهرة، ووضعًا مأساويًا ليس له مثيل، حيث غادرت منزلي في منطقتي النائية في محافظة البيضاء بسبب الحرب، مع قلة ذات يدي ومرض أولادي وعجزي عن علاجهم».
وأضافت: «أولادي يفتقدون المأكل والمشرب والملبس والدواء، وليس بيدي ما أستطيع تقديمه لهم، سوى البكاء وانتظار ما يجود به الناس علينا».
وتابعت: «أبحث يوميًا عما أستطيع به تغطية حاجياتهم الضرورية من حفاظات وطعام علماً بأنهم أنهم لايستطيعون الحركة ولا الكلام، وأغسِّلهم وأعتني بهم قدر استطاعتي».
تفترش حورية وأولادها المعاقون الأرض كلما خلدوا إلى النوم، لكنها لاتهتم بذلك كثيرًا، بقدر اهتمامها بمأكلهم ومشربهم.
ومضت قائلة: «لايوجد معنا فرش ولا ملاءات ولا حتى وسادة نضع رؤوسنا عليها، لكن الأمَرَّ من ذلك كله والأكثر إيلاماً، أنه لايوجد معنا أي نوع من أنواع الأطعمة والمياه».
وأردفت: «أشعر أن الأرض ضاقت علي وأولادي بما رحُبَت، بعد أن أصبحتُ عاجزة عن توفير أبسط متطلبات الحياة لهم».
تشعر وأنت تستمع إلى معاناتها أن جبالاً من الهموم تُثقِل رأسها، ونارًا من الحزن تلفح جسدها، إذ تحولت البسمة في حياتها إلى دمعة، والسرور مصيبة، والسكينة فزع وكارثة.

جحيم المعارك

قد لاتكون حكاية حورية المفجعة، وأولادها المعاقين هي الأخيرة، فهناك الكثير من القصص التي تبدو مشابهة ربما اختلفت تفاصيلها، إلا أن الألم يبقى واحدًا والمصيبة مشتركة.
وقال أحمد سيود رئيس لجنة استقبال وإيواء النازحين في مديرية خنفر بمحافظة أبيَن «إن النازحين من جحيم المعارك في مديرية خنفر وحدها بلغ أكثر من ألفين وثلاثمائة أسرة».
وأشار إلى أن حكاية حورية الجنيدي وأولادها ربما تكون الأبرز، لكن هناك أيضًا الكثير من القصص المؤلمة لعدد من الأسر النازحة التي أجبرتها الحرب على مغادرة أراضيها والاكتواء بنار النزوح والتشرد.
ونوّه إلى أن استمرار الحرب زاد من «أعباء السكان بشكل عام، والنازحين بشكل خاص لأنهم تركوا مناطقهم ومنازلهم للنجاة بأنفسهم وأطفالهم».
وأضاف: «لم تتوقف معاناة هؤلاء النازحين عند انعدام الأمن الغذائي والصحي فقط، لكن هناك مئات الطلاب الذين حُرِموا من الجلوس على مقاعد الدراسة».
وتابع: في الوقت الذي حُرِم فيه أكثر من ألفي طالب وطالبة من الانتظام في دراستهم بمديرية خنفر وحدها ودون باقي مديريات المحافظة، نظرًا لظروفهم المادية الصعبة، إلا أننا وبجهود شخصية استطعنا تسهيل عملية التحاق حوالي 200 منهم، بمدارس المديرية المختلفة.

تدهور الاقتصاد

وأردف: يعاني النازحون من عدم وجود المأوى المناسب لغالبية الأسر من محافظات صنعاء في الشمال، والحديدة في الغرب، والبيضاء في الوسط، وتعز في جنوب غرب البلاد.
وزاد: لجأت غالبية الأسر إلى افتراش العراء والمبيت تحت الأشجار، وهم عرضة للأجواء المناخية المتقلبة؛ فضلاً عن النقص في المواد الغذائية والأدوية، كما أنهم يفتقدون لكل الإمكانات البسيطة التي تساعدهم على العيش في أدنى صوره.
قد تبدو قصص النزوح وأخبار التشرد اعتيادية في بلد غادرته الطمأنينة منذ زمن، لكن حالة حورية وأولادها، تشكل واقعة مؤلمة لكل من شاهدها واطلع على تفاصيلها، وهي تعبير حقيقي عن سوء الحال الذي وصلت إليه الأوضاع في البلد الذي كان يسمى إلى وقت قريب (اليمن السعيد).
ووفقاً لتقارير أممية، تسببت الحرب المتصاعدة منذ 3 سنوات في تشريد 3 ملايين نسمة داخليًا، فضلاً عن التدهور الحاد في الاقتصاد، وانتشار الأوبئة والأمراض المعدية وحرمان مئات الطلاب من تعليمهم.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com