تتوقف عن الصود

«النبأ» تتوقف عن الصدور مؤقتًا بعد مسيرة 11 عامًا من التميز الصحفي

• بقلم: رئيس التحرير
لكل شيء ابتداء وانتهاء، ولكل تمام نقص، وكما رحبنا بكم في (النبأ) بالاصدار الورقي الأول، ها نحن نودعكم بـ(النبأ) المصور الأخير!
منذ بزوغ شمس الصحافة الورقية سواء خلال القرن الرابع عشر في إيطاليا وألمانيا ثم بريطانيا، ثم بتطورها في القرن الثامن عشر، حيث صدرت أول صحيفة بريطانية منتظمة في العام 1772م هي صحيفة (دايلي كورانت)؛ لم تكن التحديات والأزمات المالية وارتفاع تكلفة الورق حينها هي التحدي الأوحد.
وتحديات البقاء والاستمرار تتفاوت، ما بين حدود الحريات المتاحة وقدرة أية صحيفة على التعبير عن حقوق الناس والعدالة الاجتماعية بكل شفافية ونزاهة وحرية، دون أن تتخطى خطوط الرقيب الحمراء، وصولاً لتَتابُع الأجيال وتعدُّد وتنوُّع المفاهيم وتطوُّر وسائل الاتصال والتواصل.
ومنذ 27 عاماً، وبالتحديد في العام 1993، صدر أول عدد إلكتروني في العالم لصحيفة (سان جوزيه ميركوري) الأميركية، لتلحق بها بعد برهة الصحيفتان البريطانيتان الشهيرتان (ديلي تلغراف) و(تايمز)، حيث أسستا بعدها بعام واحد نسختيهما الإلكترونيتين. أما عربياً، فقد كانت صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية التي تصدر في لندن أول صحيفة عربية تطلق نسختها الإلكترونية وذلك في العام 1995.
ووقتها كانت الصحافة الورقية تسابق الزمن للبقاء، ولم يكن خروج عدد من الصحف العربية اللبنانية والمصرية من ميدان الصحافة الورقية، وخروجها بوجهها الإلكتروني، إلا مؤشراً على جدية وتأثير التغيُّرات في بلاط صاحبة الجلالة.
ولم نلبث أنْ نقرأ عن تنبُّؤات وتوقعات بانحسار الصحافة الورقية، من واقع طفرة العالم الرقمي وشبكات الإنترنت وثورة الاتصال والمعلومات التي بدأت زحفها الكاسح على كل شيء في حياتنا، ولَم تكن الصحافة الورقية بمنأى عن ذلك الطوفان!
وقبل سنوات، وبعد نبوءة انحسار الصحافة الورقية، كان البعض مايزال يكابر ويعلن صمود الصحافة (الكلاسيكية) أمام نمط جديد من الإعلام الصحفي الرقمي، بينما أيقنت إمبراطوريات إعلامية بأن ذلك التنبؤ على وشك الوقوع، أو أنه قد وقع بالفعل.
ومن جانبها شرعت مؤسسات صحفية وإعلامية مختلفة بتكييف مستقبلها الصحفي لتأمين خروجها السلمي والآمن من الواقع الورقي إلى الواقع الرقمي. ونجح بعضها وفشل آخر، بينما تجاهلت مؤسسات غيرها ذلك النداء، حتى وجدت نفسها خارج التغطية، بسبب وطأة الديون والعجوزات المالية التي أوقفتها رغماً عنها.
لقد كان التطور الرقمي الرهيب بمثابة رصاصة الرحمة التي أسقطت كل صحافة ورقية لايمكنها الوقوف لوحدها، وكذلك فعلت لاحقاً مع صحف إلكترونية. فوفقاً لإحصائيات العام 2019 لمنصة (هوت سويت) المتخصصة بالمنصات الرقمية، تشير الأرقام إلى أن منطقة المشرق الإسلامي الذي يسكنه نحو 250 مليون نسمة، يبلغ عدد المتصلين بالإنترنت فيه ما يقرب من 182 مليون شخص، وبنسبة 71% من سكان هذه البقعة من العالم.
ولْنتخيل أن الأرقام تخبرنا أن هناك 304.5 ملايين اشتراك للهواتف المحمولة.
وتتحدث الأرقام السابقة عن (جيل رقمي) جديد، وليس مرحلة رقمية وصحافة إلكترونية، وطبعاً ليس صحافة ورقية.
بالتأكيد لايمكن إنكار فئات عمرية معينة، مايزال لديها ولاؤها الثابت للصحف الورقية، ولكن الوقت بالتأكيد لايمكن أن ينتظر أحداً.
يمر الزمن، ويأتي تأثير الظروف السياسية على المنطقة، ليكتشف الجمهور أن غالبية الصحف متشابهة المحتوى، لذلك يمم توجهه نحو المنصات الرقمية بحثاً عن كاتب متميز أو محتوى إلكتروني تفاعلي هنا أو هناك.
وأيقنت المؤسسات الإعلامية أن المواطن (الصحفي) بات يمتلك صحيفته الخاصة (المدوَّنات والمواقع الشخصية)، كما بات يمتلك وكالة الأنباء الخاصة به (تويتر)، وقنواته التلفزيونية الخاصة به (اليوتيوب والإنستغرام ونحوها)، منها ما نجح في تجديد منصاته الإعلامية لتكون منصات تفاعلية جماهيرية، ومنها ما انحسر، ووجد نفسه خارج اللعبة وخارج التأثير، بل وخارج الزمن.
تلك الطفرة الانتقالية، لم يكن تأثيرها على الصحف الغربية فقط بل امتد إلى صحف شتى في العالم ومنه البحرين، فتاريخ الصحافة البحرينية وإنْ كان شهد إغلاق عدد من الصحف بسبب سطوة المحتل البريطاني ومستشاره السياسي في حقبة ما قبل الاستقلال وبالذات في خمسينيات القرن الماضي، كمجلة (صوت البحرين) و(القافلة) و(الميزان) وغيرها، فإن التاريخ الحديث يتحدث عن وقف إصدار صحف يومية مثل (الوسط/ 2002) و(الميثاق/ 2004) و(الوقت/ 2006)، والصحف الأسبوعية (الأضواء، صدى الأسبوع، المواقف، العهد)، والشهرية (بانوراما) ثم غلقها لأسباب مختلفة.
وبشأن صحيفة (النبأ) الأسبوعية فقد خرجت إلى الوجود في العام 2008، وكان سعيها الصادق والحثيث منذ خروجها الأسبوعي كل أربعاء في ذلك الحين حتى هذا اليوم من العام 2019؛ تبَنِّي قضايا الوطن والمواطن، كما سعت لأنْ تكون قضايا أمتنا العربية والإسلامية هماً يقطر من حروفها وكلماتها.
كان التحدي الأول كونها أسبوعية، وفي عالم اليوم حتى الصحف اليومية تُصبح أخبارها متأخرة!
وقد سعت (النبأ) لمناقشة ومعالجة بعض الملفات بشكل مختلف، ونجحت حيناً وأخفقت حيناً آخر، وخاصة مع تراجع الحريات الصحفية على مستوى العالم بأسره، وليس منطقتنا الخليجية فحسب.
ومع نهاية السنة الثامنة من عمر (النبأ) وتحديدا في يونيه 2016 اتجه القائمون عليها لوقف الإصدار الورقي من الصحيفة نظراً لارتفاع تكاليف الطباعة، ومع غياب الدعم الحكومي الحقيقي لاستمرار الصحف، اكتشفوا أن الوقت لن يزيدهم إلا عجزاً مادياً متراكماً، يصعب معه تحمُّل نفقات إصدار الصحيفة بشكلها الورقي المطبوع.
وبعد أربع سنوات من وقْف الاصدار الورقي التفتوا حولهم يَمنة ويَسرة، فوجدوا صحفاً عالمية عريقة مثل الإندبندنت البريطانية، والسفير اللبنانية، والحياة اللندنية، قد ودَّعت قراءها، وهي صحف كانت تدعمها دول ومؤسسات إعلامية ضخمة، ما يعني أن خيار انتهاء الإصدار المصور في هذا الوقت بالتحديد ليس استثناءً.
لذلك كان القرار بأن يكون هذا العدد هو (النبأ) المصور الأخير في مسيرة صحيفة (النبأ) البحرينية الأسبوعية، لنطوي معاً 11 عاماً من الصمود والتحدي في مزاولة مهنة المتاعب الأولى بصورة نمطية ثابتة.
نعم، لنا ما لنا، وعلينا ما علينا، ولكن ستبقى البحرين وسيادتها خطَّنا الأحمر، كما سيبقى شعبها وقيادتها هم همُّنا وسنَدنا وعُزوتنا، نحارب دفاعاً عنها بكل ما نستطيع، وما سلاح الإعلام والقلم إلا وسيلة واحدة، ستظل حاضرة دائماً وأبداً في حمايتها والدفاع عنها.
نختم معكم اليوم حقبة ومرحلة تاريخية من مسيرة جريدة (النبأ)، إذ سيتوقف إصدارها الأسبوعي لمدة لن تتجاوز سنة بمشيئة الله وقدَره لتكون فترة إعادة هيكلة وبناء استراتيجية معاصرة جديدة تتلاءم مع التغيرات التكنولوجية الهائلة وتتوافق مع النمط الحديث في صناعة الإعلام الرقمي، معاهدين الله والوطن، بأن نبقى دائماً وأبداً في الصف الأول، نحمي حمى الأرض والوطن، وندافع عن قضايا أمتنا بكل ثبات وإخلاص.
ونستودعكم الله الذي لاتضيع عنده الودائع، وإلى لقاء جديد في القريب العاجل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com