النبأ هدهد

النبأ.. هُدهُد الحكايات الأسمر

بقلم: ناصر البهدير – مدير التحرير

ثمة طائر أغواني وكأنه تنبأ بمسار ما. مع أني لا أؤمن بطالع السوانح والبوارح، فـ(الطِّيَرَة شِرْك) كما ورد في قول الرسول صلى الله عليه وسلم. مالنا والتأويل؛ حِرفة المهالك.
منذ نعومة أظافري أرى طائر الهُدْهُد الرزين في سهوب بطانة السودان، بهيًا وأنيقًا، كأن السماء خصَّته بالوسامة والجمال دون سائر طيور الكون. تعجبني ألوان ريشِه المتناغمة، دُعجةُ عينيه، عُرفٌهُ المنتصب الذي يشق عنان السماء، جناحاه اللذان يُفْرِدُهما ويضمُّهما متى ما شاء، ومنقاره الطويل. أحاول أنْ اقترب منه حتى أظفر به. وأفشل. متيقظاً يلتزم جانب الحذر. كان حريصًا في موقفه. الطير الوحيد الذي تمَنَّع عن ولوج حظيرة صيدي. لم يقِل مثار إعجابي به وكانت أمنيتي أن اصطاده ذات يوم.
إنها تَباريحُ الشَّوق التي أفضت بي إلى سُوح المعرفة. ما أبرح الأمر! لم أَكُ عليمًا بما تخبِّئه الأقدار. أتذكر ملامح الهُدهُد كالبارحةُ.
مضت بنا الأيام والسنوات، علمتُ أن الهُدهُد نبأُ المرسلين حتى وجدت نفسي مهتمًا بعالم الصحافة منذ صغري أوان الدراسة بالصف الرابع الابتدائي.
شاء حظي في أيام الدنيا العريضة، أن أكون صحافيًا في نقل النبأ مثيل الهُدهُد في أول عهدي بالصحافة في الأيام السودانية، أعْرَقُ صحفنا المجيدة. تنقلت بين عدة صحف ومجلات ومؤسسات حتى أرسيت ترحالي في صحيفة (النبأ) الأسبوعية في ديسمبر من العام 2009، تحت شعار الهُدْهُد الأمين. وهذه كانت نقلة على كل حال لاتقاس على الإطلاق بأية تجربة خضتها من قبل.
سرعان ما عثرت على البيت الذي أحب وما غادرت مع دِفء العائلة التي عرفت. عِشرة عقْد كامل من السنوات تَواثَقْنا فيها على عهد الكلمة المسؤولة وما تراجعنا وحنِثْنا بالتزامنا الصارم بمواثيق المطويات.
رغم الصعاب والتحديات والمنزلقات لم نستسلم ولم ننسحب. نازلنا مفازة المسيرة على خُطىً صبورة، وواجهنا وقهرنا كل مستحيل يكاد أن يفتك ويأخذ بناصية الصحيفة التي أضحت دارنا ومَقِيلنا وكل شيء يمتد للروح بصلة.
أَنْجزنا خُطْوات مُهِمَّةً وأرثينا أدبًا شفيفًا، خطوةً بخطوة، لايقارن في ظل بيئة مثالية وفَّرها مجلس الإدارة ورئيس تحريرها الأستاذ عبدالمنعم المير، الربَّان الذي يملك ناصية الحكمة والعقل الكبير، والسماح الذي لجم حِدَّة وخشونة تصرفاتنا. أحال سرعة انفعالنا وعصبيَّتنا إلى عمل ملموس تبلور في اتخاذ القرار عند الوقت المناسب.
كان يدلنا على مواضع ضعفنا وقِلَّة حيلتنا ويُبَصِّرُنا بعلامات الطريق. فكان (أبصر من هُدهُد)، كما كانت تقول العرب حين يضربون المثل بقوة إبصار الهُدهُد. هذه حقيقة رغم تسنُّمه العديد من المسؤوليات. في غالب الوقت تجده منصِتًا باهتمام لقضايا الصحيفة حتى الخاصة منها فأولاها أهمية قصوى ولم يغادرنا فيها. عرَّانا من ورطاتنا وخلَّصنا حتى من مَيْل النفس ومثالبها البغيضة. ومن كان مثله في المحبة والصدق والشفافية والعمل الدؤوب! لم أر مثيله حتى يوم الناس هذا. وكفى. فشهادتي فيه مجروحة حتى في عائلته الكريمة.
أدبرت الأيام تترى في رِكابها، والصحيفة من أزمة لأخرى ولكنها صامدة تمارس نبْضها المتسارع في الشارع. استطردت مندفعة ولم تنكص على عقِبيها.
كلنا يعلم أنه ما إنْ أطلَّت الألفية الثالثة حتى تَداعَى الجسد الصحفي وأضحى قاب قوسين أو أدنى من الشلل والموات. غابت قيمة الورقة المقروءة واندحرت لمعة صدر الصحف التي كانت تظهر في الصباحات الباكرة حُبلى بالمعرفة والأنباء.
فالصحافة تعيش في التضاريس الوعرة كما الهُدهُد لاتستقر في مكان واحد، بل هي دائمة التنقُّل والتِّرْحال منذ بدء الخليقة، بحثًا عن متنفس آخر في الفضاء الواسع. تمرض ولاتموت كالعقار في حكمة أهل بلاد الخليج العربي.
هلَّ عصر الشبكة العنكبوتية، مبتدرًا عوالم جديدة في عالم الكلمة، وأينعت ثَّمرته. فبات النبأ سريع الصَّنْعة والسير وفي لمْح البصر. فالمعرفة متاحة بين يدي الجميع. غاب تحَرِّي الدقة، ومصداقية الخبر أصبحت على المحك. مع ذلك لا رجعة للوراء.. إلى عهد الصحافة الورقية التي تتهاوى في كل لحظة مفسحة المجال لوسائل التواصل الاجتماعي.. حقبة الإعلام الجديد. وهذا عهد أشرف بيننا رغم مساوِئُهُ لا فكاك منه وإن قتَلَنا الحنين إلى ماضي رائحة الورق. حتما لن نتطرق إلى صراع الأجندة وبُؤس الكلمة التي تُطبخ فيما وراء صناعة الأضابير. بُؤس نتقلَّب على رمضائه حتى أحدقت بنا بناتُ بِئْسٍ: الكَوَارِثُ، الدَّوَاهِي، في ظل جغرافية العالم الجديد الذي تشَكَّل على أنقاض خرائط حقوق الإنسان وهلم جرَّا من تُرَّهَات فخ العولمة.
في كَنَف معطيات ثورة الإنترنيت لا مناص من التقهقر في الوثوق من نقل الحقائق التي صارت بين يوم وليلة عبارة عن أباطيل تدحر وتنحر في جسد الشعوب الضعيفة.
وزاد الطِّينَ بَلَّةً، تعقيدات الوضع الاقتصادي العالمي. إزداد الأمر سُوءاً وتعقِيداً، زائِداً على الُّلزومِ عن طاقة الإدارة. وما بات في المُخبَّأَةُ من حِيلة وبعض حلول ناجزة.
ما برِحت الصحيفة تقاوم ضد طوفان الظروف المضطرد حتى ركِبت الأَهوال. وفي كل يوم نتدبر الأمر في أن نصنع كلمة توازي الجهد المبذول ومعين الطاقة الذي نضب. وما من سبيل إلا القهقهرى. حتى ذلك ما عاد مُجديًا وجنود الطَّيُّ تحيط بنا من كل ناحية. تطوي الصَّحيفةَ وللأبد. طويتُ (النبأ)! وكان النبأ العظيم.
كان قرارًا مريرًا وفاجعًا بمعنى الكلمة، ومؤلمًا حد الإيذاء النفسي حين نفارق محبوبة ألِفناها بيننا لفترة من السنوات الزاهية والنَّضِرة. انطوت سنوات مشرقة ومضيئة، وطوانا الأسى بين جناحيه وحلَّق بنا في الأعالى.
وتبقى الذكرى الحيَّة هي الملاذ من لظى الفقْد المرير. ذكرى أنضر سنواتي في العمل الصحفي بين ثُلة تفرقت بهم الأيام. سارت بذكرهم الركبان ومجالس الأنس. ما زالوا منِّي على ذِكْر.
في بالنا الكثير. نتذكر ومضات القلم الراعفة.. رعشات الأنامل تسابق الوقت في الكتابة. نتذكر لحظات اتفاقنا أو اختلافنا حول رؤية معينة لابد أن تنفذ بشكل يجنِّبنا مشقة مزالق الكلمة وتنكُّب الخطر. نتذكر مطاردة المصادر لاقتفاء أثر المعلومة، وحوارنا معها وهي تتعنت وتتصلب في المواقف ومن ثم تسيل كالماء تماهيًا مع خطوط الكنتور، وقد نمضي لآخرين كسبًا لبرهة الوقت.
نتذكر تضارب المعلومات والأرقام والتقارير المضلِّلة والمتوحشة حتى تلك الصورة الزائفة والسامة التي تحاول أن تشق طريقها إلى الناس وتفتك بهم. نتذكر صراعنا حول عنوان مثير وعراكنا الذي ينتهي إلى بسمة صادقة. ربما كلمة تعيق مخطط صدورنا، نتوقف عندها لأكثر اللحظات ضجيجًا. نتذكر بذرة المعضلة حين تنمو وتتطاول في الصعود وكيف تجزُّ. نتذكر رنين الهاتف المستمر من شكاوى النشر والتوزيع والملاحظات التي تقدم. نتذكر الاجتماعات المطوَّلة لنشدان الخلاص من مأزق صعوبات النشر وأسعار المطابع المتصاعدة ومواصلة المسيرة.
نتذكر المتدربين والمتعاونين والزملاء وأصدقاء الصحيفة الذين مروا بأبوابنا، وشح الزاد الذي كنا نقدمه لهم. نتذكر ضيق الوقت والضغط النفسي والإرهاق الذي يلازمنا عشيَّة الصدور. نتذكر الأخطاء الملازمة لتحرير المواد.. أخطاء النسيان والطباعة واللغة والتحرير والتصميم وغيرها من طوارق الصحافة القاتلة الشرسة.
لا ريب أننا نتذكر الحرية التي وسعتنا في عملنا من كل النواحي. نتذكر صباحات الصدور ولذة النجاح في إننا ما زلنا على قيد الحياة نبصر (النبأ) ندية وقوية وفتية وصبية كالعروس بين المروج.
كانت أرضاً صُلبة لاتقوى عليها المعاول. ما فتٍئت جِبلة وستبقى في تاريخ صحافة مملكة البحرين لوحًا أثريًا لاتخطئه الأعين ومطوية مخلَّدة ضمن السرد الصحافي بين دفاتر المتحف الوطني.
في سالف الزَّمان سيستغرق الحكَّاءُ فِي رِواية (النبأ) وأفول شمسها ووجهها المضيء. يتلون سيرةً عطرة. ألسنتهم لن تتوقَّف عنِ الحكِيِّ عن صحيفة أوقدت شمعة ميلادها أوان أزمة اقتصادية كبرى طحَنت العالم ومع ذلك استمر العطاء لمدة تساوي عدد كواكب يوسف. احتملت كل تصاريف الدهر ومصاعبه وما لانت وتقهقرت.
يا لهول الأيام الطمِيسة. في فجر الغد الضرِير، سأفتقد المتعة التي لازمتني لزمان طويل عند كل صباح في توَجُّهي للمكتب. المكتب الذي كان المأوى والنصير من كل عاديات الدنيا وكوارثها.
سأفتقد (قنقا دهر) ذلك النهر الآسيوي الطامح بالوُدِّ والعطاء وهو ينثر بسمته في صمت بليغ. حريصًا على تأدية واجبه بإخلاص منقطع النظير. ومثيله (بيتام ملا) النشط بلا ضوضاء في خدمة الجميع.
سأفتقد العلامة الدكتور عدنان جاسم بومطيع، المستشار الذي لم يخب في رسالته في أدب جم والتزام رفيع. كان مثالاً نادرًا للشغف وعشق فريد للصحيفة كجمَّةُ البِئرِ. ما تراجع عن عطائه رغم مشاغله العديدة في التدريس الجامعي. كان عنوانًا لافتًا للخُلُق القويم والاحترام.
بالطبع لن أنسى الأستاذة مريم حسين المُتَوقِّدة الحاذقة التي عملت خلف الكواليس وخارج إطار الصورة، بلا ضوضاء، تصنع رحيق الكلمة. كانت أكثرنا إلمامًا بكل تفاصيل العمل الإداري. تسد ثغرة هنا وهناك في صمت. لاتتبرم من العمل وتعمل بحب وتضحية ونكران ذات؛ مِسكٌ رحيق. علامة فارقة. المؤمن مثل النحل.
ويبقى الزميل عادل شريدة العلامة المضيئة والرمز الذي نمضي إليه كلما أدْلَهَمَّت بنا عقبة كؤود في مغاليق النحو والصرف العربي المتين وكذلك في ضروب المعرفة. كان نِعْم الأخ والصديق بطِيْب معشره وتفانيه وحبه للعمل والتفافه حول الجميع.
وكان ألصق الناس بي في العمل اليومي، المصمم الفني عبد الباقي عثمان، رفقة امتدت لسنوات قبل أن نكون بدار (النبأ). ترافقنا مكملين لبعضنا في تعاضد يمليه نبض الكلمة وبصمتها التي وسمت العلاقة كأنبل ما يكون.
آخر العنقود، حمامة الصحافة والمجالس الأهلية ودور المسنين، الأستاذ صالح بن علي جناحي، الكاتب الصحفي والناشط الاجتماعي صاحب العطاء الوافر. أكثرنا اهتمامًا بأمر الصحيفة. لا يجد فرصة إلا واغتنمها. يتفقدنا في الدار رغم مشاغله اليومية كناشط أحب مجالس البحرين وكبارها وصغارها. أكثرنا حزنا ولوعة لما جرى، حتى اللحظة أظنه لا يصدق.
فالقائمة طويلة منذ أن حط طائري بـ(نبأ) المحرق العريقة.
عذرًا للذين رشَقَتْهم فظاظتي. أتقدم بعميق تَأَسُّفي وشديد اعتذاري للذين مسَّتهم غلاظة جانبي وخشونة حديثي وتعاملي في العمل. أطلب الصَّفح والسَّماح ورفع اللَّوم.
كل شكري وتقديري ومودتي ومحبتي لأهل مملكة البحرين؛ وطني الثاني الذي عشقت.
مدير التحرير

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com