إصابات بالرصاص والاختناق خلال تفري

النكبة الفلسطينية أمام الأزمات العربية.. للخلف در..!

يُقال إذا شَب الحريق في منزلٍ، شُغِل أهله به، ولايجدون متسعاً كي يلتفتوا إلى حريقٍ في قرية مجاورة. فما بال نيران تتصاعد ألسنتها في الوطن العربي مع أزمات تعيشها بلدانه، فهل سيلتفت حينها أحد إلى نكبة عمرها 67 عاما؟!
النكبة الفلسطينية.. التي تحل في الـ15 من شهر مايو كل عام، يتراجع حضورها في أذهان المواطن العربي، في مقابل أزمات متفاقمة، سرعان ما تنتقل من دولة عربية إلى أخرى.
و(النكبة) هي مصطلح يطلقه الفلسطينيون على استيلاء ما يسمونها «عصابات صهيونية مسلحة» على أراض فلسطينية، أقاموا عليها يوم 14 مايو 1948 (دولة) باسم (إسرائيل)، وهجَّروا حينها 957 ألف فلسطيني من أراضيهم إلى بقاع مختلفة من أنحاء العالم، بحسب تقدير للأمم المتحدة صدر عام 1950.
ثلاثة خبراء سياسيين، أحدهم من مصر، والثاني من اليمن، والثالث من لبنان، اتفقوا على أن الملف الفلسطيني برمته لم يعد يحتل صدارة الأولويات لدى الأنظمة العربية، في مقابل ملفات، في مقدمتها قضايا التحول السياسي الديمقراطي والثورات التي عصفت بتلك الدول، وقضايا عربية تؤثر على الأمن العربي مثل سوريا واليمن.
واستناداً إلى ما سبق، أظهر الخبراء الثلاثة، حالة من عدم التفاؤل بموضع ذكرى النكبة الفلسطينية، لدى المواطن العربي الذي أصبح منشغلاً بما يواجهه في دولته بشكل مباشر، فما لم يكن يتصوره في الماضي البعيد من معارك ضارية، واقتتال عنيف، أصبح يراه رؤى العين داخل حدود بلاده، فتراجعت لديه ذكرى النكبة الفلسطينية، أمام حالة حيَّة يعايشها يومياً.

تراجع مؤقت

فيما توقع محلل سياسي فلسطيني، ألا يستمر هذا التراجع معتبراً أنه لن يدوم طويلاً لاسيما وأن الأزمات التي يواجهها الوطن العربي مؤقتة، بحسب وصفه.
طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، ورئيس وحدة الدراسات (الإسرائيلية) بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، وهو مركز مستقل، فسر هذا التراجع لوكالة أنباء (الأناضول) التركية قائاً إن «الملف الفلسطيني أصبح درجة ثانية وثالثة في الملفات العربية، سواء على مستوى العمل الجماعي الدولي، أو اهتمام الأنظمة العربية المعنية به، وذلك لانشغال هذه الأنظمة بقضاياها الداخلية من مراحل التحول السياسي الديمقراطي ومواجهة تبعات الثورات، وعليه فقد انشغلت الأنظمة العربية عنه».

تقسيم الدول

المخاوف من تقسيم هذه الدول، أصبحت المحرك لتشكيل اهتمام الدول العربية، بحسب طلال العتريسي مدير ﻣﺮﻛﺰ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍلإﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ بلبنان، ورأى أن «مخاوف الأنظمة من تقسيم سوريا والعراق واليمن، أصبح أولوية لديها، وهو ما كان له انعكاساته على الرأي العام الذي تراجعت لديه ذكرى النكبة والتي لم تعد حاضرة لا في تغطية الإعلام ولا حتى في قرارات مصيرية تتخذها الجهات المعنية وفي مقدمتها جامعة الدول العربية».
وعن موقف تلك الجهات، قال العتريسي «هل ستجتمع الجامعة العربية لأجل بحث الأزمة اليمنية المندلعة الآن أم لأجل النكبة الفلسطينية؟ هذا أمر انتهى بالنسبة لها منذ سنوات عدة، ولايجدده سوى حدث جلل. لكن الأزمة اليمنية هي الأحدث والأخطر بالنسبة للدول العربية لأنها تهدد أمنهم القومي، وبالتالي فالأولوية للتفاوض في تلك الأزمة وليس في الملف الفلسطيني».
وأضاف أن «الأولوية هي الأمن في المنطقة والاصطفاف ضد الإرهاب الداخلي والخارجي، وليس النكبة كما كان في السابق. وإذا عقدنا مقارنة بسيطة بين ما قبل الربيع العربي وما بعده سنجد أن الأولوية كانت للتفاوض في الصراع العربي الفلسطيني، لكن تراجع هذا الملف الآن وانتقلت الأولويات لمربع أخر ممتلىء بقضايا أخرى من بينها الفوضى والعنف والتكفير والإرهاب، وتجنُّب ثورات جديدة، ومواجهة جماعات متشددة قائمة بالفعل».
ويتقاطع مع هذه الفكرة طارق فهمي الذي يوضح أيضاً أن عدم احتلال النكبة الفلسطينية صدارة الأولويات يمتد إلى المجتمع الدولي والإدارة الأميركية على وجه الخصوص، ويقول: «لايوجد أي اهتمام على أي مستوى دولي أيضاً بالقضية الفلسطينية، فالإدارة الأميركية، انشغلت بقضايا كثيرة، واحتل الملف الإيراني صدارة الأولويات بدل ملف الصراع العربي (الإسرائيلي)، وكذلك الحال بالنسبة لمجلس الأمن المعني بعقد اجتماعات حول الأزمات في الوطن العربي».

خارطة طريق

وأضاف فهمي: «(إسرائيل) ترفض أي سلام أو تسوية، وبالتالي يجب أن نسأل أنفسنا هل هناك ما يدعو إلى تغيير الأولويات لدى المجتمع الدولي والعربي وعودة الصدارة للملف الفلسطيني؟».
ورداً على هذا التساؤل، قال العتريسي «إذا بدأت تظهر حلول سياسية، أو لنقل مشاريع حلول للأزمات في اليمن وسوريا والعراق، فسيكون هناك حينها خارطة طريق تتقارب مع خارطة الطريق التفاوضية التي يتداولها المجتمع الدولي والعربي بشأن القضية الفلسطينية، وحينها سيحدث تقارب في مساحات التناول والأولوية، حتى تتصدر القضية الفلسطينية المشهد بتراجع زخم هذه الملفات».
ويعارضه في تلك النظرة التفاؤلية، محسن خصروف، الخبير الاستراتيجي والعسكري اليمني، قائلاً إن «الأزمات التي تواجهها الدول العربية ستستمر في الهيمنة على اهتمامات الأنظمة العربية»، موضحاً أن الأمر أخذ في التصعيد، منذ الربيع العربي عام 2011.
وقال خصروف، وهو عميد متقاعد بالجيش «نستطيع تتبع ما آلت إليه الأوضاع في الوطن العربي. لم يكن أحد يتصور ما حدث في اليمن مؤخراً، وقبلها سوريا والعراق، من عنف ودموية وتصفيات جسدية جماعية، فلم يكن المواطن اليمني مثلاً يرى بعينه شخصاً ينتمي لتنظيم القاعدة، ويمسك السكين ويذبح آخر وكأنه نعجة، فكيف نتخيل إذا ما ساءت الأوضاع وتصاعدت؟ هل سينشغل المواطن اليمني حينها بالذكرى في مثل هذا المشهد غير المسبوق في مخيلته؟».
قضية محورية
وأضاف أنه «لم يكن أحد يتخيل التفجيرات الانتحارية المتبادلة في أسواق العراق الشعبية، ولا في ضواحي سوريا، كأن يواجه المواطن براميل متفجرة وقنابل عنقودية، أو أن يشهد المواطن اليمني قصف صنعاء، كل ذلك لن يدفع المواطن أن يفكر في ذكرى نكبة قامت أو قائمة أو ستحل عليه العام المقبل، فهو على الأقل سينشغل بقضاياه لأعوام».
ورغم ما ذهب إليه خصروف، فإن سامح شهيب أستاذ العلوم السياسية بجامعة بيرزيت الفلسطينية، خالفه في الرأي، قائلاً: «هذا التراجع سيكون عابراً ولن يدوم طويلاً، لأن الظواهر التي نشهدها في الوطن العربي نفسها لن تكون طويلة الأمد، سواء سيطرة تنظيم (داعش) على مناطق بالعراق والشام، أو ما يفعله الحوثيون في اليمن، كل شيء سيعود إلى أصله، والخلف دُر سيكون يوماً للأمام سر، لأن القضية الفلسطينية ستبقى محورية مهما أراد الآخرون غير ذلك».

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com