125

بئر السبع.. حاملة أسرار «بلفور» ونكبة فلسطين..!

هل اقترن سقوط مدينة بئر السبع، جنوبي فلسطين، بيد القوات البريطانية عام 1917 بوعد (بلفور) الذي صدر بعد احتلالها بيومين؟
يجيب مؤرخون بالسلب، ويقولون إن بريطانيا تيقنت بعد انتزاعها بئر السبع من الجيش العثماني، بأن احتلال أرض فلسطين، أصبح مسألة تحصيل حاصل، لذلك أصدرت الوعد الذي منح تلك الأرض لليهود، وهو ما يؤكد وجود مخططات بريطانية قديمة، لإقامة (دولة) يهودية، بهدف إبقاء المنطقة العربية ضعيفة وهشة.
وعن ذلك يقول، الباحث الفلسطيني خالد عوض، في كتاب أصدره في نوفمبر 2017 بمناسبة مرور 100 عام على صدور وعد (بلفور): «احتل البريطانيون بئر السبع والصحراء الفلسطينية، في 31 أكتوبر 1917، وفي اليوم نفسه، أبرق الجنرال أدموند أَلِنْبي للقيادة العسكرية في لندن ببرقية جاء فيها: سقطت بئر السبع، ستكون القدس هديتكم في عيد الميلاد».
ويضيف عوض في كتابه الذي احتوى سجلاً مصوراً للأحداث التي وقعت في فلسطين منذ الحرب العالمية الأولى وحتى عام النكبة (1948): «وصلت البرقية في اليوم الثاني أي في 1 نوفمبر 1917، وبناء عليها أخرج وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور من درج مكتبه ورقة كان قد اتفق على نصها مع بعض القادة الصهيونيين قبل عدة أشهر وأصدر وعد (بلفور) في الثاني من هذا الشهر».

الجيش العثماني

ووعد (بلفور) هو بيان علني أصدرته الحكومة البريطانية خلال الحرب العالميّة الأولى لإعلان دعم تأسيس «وطن قومي للشعب اليهوديّ» في أرض فلسطين، التي كانت منطقة عثمانية ذات أقلية يهودية (حوالي 3-5% من إجماليّ السكان).
ومهَّد سقوط بئر السبع في ذلك الوقت، لتغلب الجيش البريطاني على نظيره العثماني في معركة غزة الثالثة، بعد أن عجز عن ذلك مرتين.
ورغم النقص الحاد في الأسلحة والأعداد، حيث كان الجيش العثماني وقتها يحارب على 9 جبهات، وبات في حالة يرثى لها، في ظل التفوق الهائل لجيوش الحلفاء بالعدد والأسلحة، إلا أنه هزم الجيش البريطاني مرتين، في معركتي غزة الأولى والثانية، وقتل نحو 6 آلاف جندي بريطاني.
ويقول الدكتور غسان وشَّاح، رئيس قسم التاريخ والآثار بالجامعة الإسلامية بغزة، إن مدينة بئر السبع مدينة فلسطينية بناها الكنعانيون الأقحاح، وفق الروايات التاريخية قبل آلاف السنين، وذُكِرت في التوراة.
وتبعد المدينة عن القدس من الجنوب الغربي حوالي 71 كيلومتراً، وتقع شمال صحراء النقب، في منتصف المسافة بين البحرين الميت والمتوسط، حيث تبعد عن الأخير حوالي 80 كيلومتراً، وعن الميت 75 كيلومتراً تقريبًا، وهو ما أعطاها ميزة، وجعل منها ملتقى طرق التجارة العالمية عبر التاريخ.
وقدَّر وشَّاح في حديث مع وكالة أنباء (الأناضول) التركية عدد سكانها حالياً بحوالي «20 ألف نسمة غالبيتهم من المستوطنين اليهود، وذلك نتيجة بعد تهجير أهلها عام 1948.
ويضيف: «إنها مدينة أثرية، عُثِر على أحافير بها، ولُقََىً تاريخية، وآثار تدلِّل على وجود حضارات قديمة يونانية وبيزنطية ورومانية وإسلامية بها، وأعلنتها منظمة (اليونسكو) عام 2005 إحدى المدن التاريخية».
ويوجد بالمدينة سوق قديم يُسمى سوق البدو، يعود لعصر الدولة العثمانية، ومحطة قطارات أسَّسها السلطان عبدالحميد الثاني، لربْط أجزاء الإمبراطورية بعضها بعضاً، ومسجداً عثمانياً بُنِى في الفترة ما بين 1900 و1905، وحوَّلته (إسرائيل) إلى متحف.

مجازر النكبة

وتعتبر بئر السبع من أوائل المُدن التي فتحها عمرو بن العاص رضي الله عنه عام 630م، وصار بها قصر باسمه، بحسب وشَّاح.
وعندما بدأت العصابات الصهيونية في احتلال فلسطين عام 1948، تم مهاجمة المدينة بشراسة باستخدام الطائرات، واحتلتها في 21 أكتوبر 1948، رغم دفاع أهلها عنها ببسالة واستماتة.
وأصبح سكان بئر السبع، بعد تشريدهم لاجئين في مناطق عديدة، وبخاصة في قطاع غزة، والضفة الغربية والأردن.
ويستحضر ناجح الحميدي (60 عامًا)، اللاجئ الذي تعود جذوره لمدينة بئر السبع، جزءاً مما سمعه من والديه وما قرأه في الكُتب والروايات والناجين من مجازر النكبة.
فيقول: «معظم سكان مدينتي كانوا من البدو، وتتشابه عاداتهم وتقاليدهم، وهم امتداد لمنطقة سيناء المصرية الملاصقة تمامًا لها من الناحية الجنوبية، كما أنها تعتبر بوابة فلسطين التجارية، ومرت بها القوافل للشام والأردن على مر التاريخ».
ويضيف: «كانت في قريتنا قبل أن تُحتل مدارس منها: مدرسة أبوستّة، والزريعي، وأبوغليون؛ كما يوجد بها مسجد بُني في العهد العثماني وهو (المسجد الكبير)، ومبنى مجلس بلدي، ومجلس عشائر للقضاء الُعرفي».
ومن أبرز قبائل المدينة: الترابين، التييايه، السواركة، الحناجرة، الملالحة، السعادين، الكعابنة، العزازمة، ولكل قبيلة عشائر وعائلات، تنطوي تحتها، بحسب الحميدي.
ويقول إن قبائل المدينة توحدت عام 1915 وكونت فرقة تقدر بحوالي 1500 عنصر، وحاربت الاستعمار البريطاني في سيناء، وأسرت كتيبة بريطانية، لكن القصف المدفعي الكثيف مقارنة بالعتاد القليل الذي يمتلكونه، دفعهم للهروب والعودة لفلسطين، وقد ارتقى منهم شهداء.

مصادرة الأراضي

وكان سكان بئر السبع يعتمدون على الزراعة ورعي المواشي، ويصدِّرون البضائع لمدينة يافا الساحلية للتصدير للخارج.
ويشير إلى أن عدد سكان المدينة كان قبل النكبة يتجاوز الـ100 ألف نسمة، وتبقَّى منهم حوالي 10 آلاف بعدها، وفُرِضت عليهم الجنسية الصهيونية، وسُلِبت منهم غالبية أراضيهم وممتلكاتهم.
ويشير إلى أنه زار المدينة مرات عدة برفقة والده، خلال فترة ثمانينيات القرن الماضي، مضيفاً: «وجدنا أملاكنا يستغلها الاحتلال في زراعة محصول القطن، وكنا ننظر لها بحسرة، دون أن نتمكن من دخولها».
ويلفت الحميدي إلى أن الكيان الصهيوني، يعمل منذ عام 1948 وحتى الآن على مصادرة أراضي الفلسطينيين الذين تبقوا في بئر السبع، والمناطق المحيطة بها. كما يعاني السكان من عدم وجود خدمات التعليم والصحة والمياه، التي يضطرون لنقلها من مسافات بعيدة.
وقال بيان لجهاز الإحصاء الفلسطيني صدر مؤخراً إن النكبة الفلسطينية عام 1948 أدت إلى تشريد 800 ألف فلسطيني من أصل 1.4 مليون كانوا يعيشون في فلسطين، وإن الاحتلال الصهيوني دمَّر 531 قرية فلسطينية وقتل 15 ألف فلسطيني وارتكب أكثر من 70 مجزرة.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com