01

بين عامين ومجزرتين.. غوطة دمشق تتجرع الموت بصمت

بين مجزرة مات ضحاياها بصمت ودون دماء، وأخرى حصدت أرواح أكثر من مائة قتيل منذ أيام في دوما مركز الغوطة، هناك آلاف الصرخات لأطفال ونساء وشيوخ ورجال لاتجد صدى لدى المجتمع الدولي، ولدى دول كبرى تكتفي بالقلق والذهول وهي تشاهد صور الموت في سوريا.
ويرصد هذا التقرير الوضع الإنساني في الغوطتين الشرقية والغربية بريف دمشق خلال السنتين الماضيتين. فما بين مجزرتي الكيميائي ودوما ثمة مجازر وآلام وجراح كثيرة ماتزال تنزف حتى الآن، حيث يعاني آلاف المدنيين من القصف اليومي ومن حصار خانق.
شهادات مؤلمة
أبونادر الذي كان في مدينة عرْبين بغوطة دمشق الشرقية لدى سماعه أصوات صواريخ غريبة من نوعها ليلة الواحد والعشرين من أغسطس 2013، لم يخامره الشك بحدث مختلف عن القصف اليومي الذي اعتادته الغوطة، لكن الصور التي بدأت تصل بعد عشرين دقيقة للمركز الإعلامي بعربْين، حيث يعمل كانت الصدمة الأكبر بالنسبة له.
فثمة عشرات الجثث في النقطة الطبية لعربين التي استقبلت المصابين على الفور، وأطفال يختنقون والكل يقف عاجزاً عن إنقاذهم، وعائلات بأكملها لقيت حتفها، إنها بعض الصور التي ماتزال ماثلة في ذهن أبونادر، الذي توجّه على الفور إلى زَمَلْكا – إحدى المدن المستهدفة – في محاولة لإسعاف المصابين، ليصدَم بمشاهد أكثر ترويعاً، فهناك منازل تضم عشرات السكان لم يخرج منها أحد على قيد الحياة، ومصابون مستلقون في الطرق بانتظار من يسعفهم.
ومع حلول السابعة صباحاً، اشتد قصف قوات النظام بمختلف أنواع الأسلحة، مما عطَّل عمليات الإنقاذ، حتى أحصت نقطة عربين الطبية 600 مصاب حتى الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي.
وتابع أبونادر خلال شهادته لـ(الجزيرة. نت) “استمر انتشال الجثث أياماً عدة، وتفرقت جثث العائلات بين نقاط طبية عديدة”. وأخذ يروي قصص أشخاص جاءوا بحثاً عن أقاربهم، ليجدوا صور بعض أطفالهم في عربين، وأطفالاً آخرين في دوما، مضيفا “هي ذكريات أشبه بالحلم أو الكذبة التي لايمكن تصديقها”.
وبحسب رواية شاهد آخر يدعى أبوحاتم، لم يصل سوى ثلث المصابين للنقاط الطبية بسبب الازدحام وصعوبة الإسعاف، حيث نُقِل الباقون لمستودعات وأقبية، ومنهم من أُسعِف على قارعة الطريق، كالطفل لؤي الذي يبلغ اليوم من العمر أحد عشر عاماً.
لؤي الذي فقد والدته واثنين من إخوته في ذلك اليوم، لايتذكر سوى سقوطه على الأرض عاجزاً عن التنفس بعد استهداف زملكا، ثم حمله والده إلى الطريق حيث استلقت العائلة بانتظار الإسعاف، ولفظت الأم وولداها أنفاسهم الأخيرة.
تواصُل المأساة
ومع استحضار تلك المأساة بعد سنتين، يبدو أن أبونادر وأبوحاتم وغيرهما كثيرين لم يلمسوا أي تغير في حياتهم الصعبة، بل يؤكدون أن وطأة الحصار والقصف تشتد، وأن الموت بكافة أشكاله أضحى زائراً يومياً يقتلهم بالقصف والجوع والبرد.
وتقول أم طارق التي فقدت زوجها ذلك اليوم إنها ماتزال تعيش مع أطفالها الثلاثة داخل الغوطة، أما “القاتل فمايزال حراً طليقاً ويستمر في الحصار والتجويع”.
وتضيف أنها تعيش مع أطفالها بوجبة واحدة يومياً، وأن محاولاتها المتكررة للخروج من الغوطة باءت بالفشل، فهي بحاجة لدفع مبالغ طائلة كرشىً للجنود في الحواجز كي يسمحوا لها بالمرور.
ولايختلف توصيف هذا الجحيم كثيراً لدى محمد الذي كان شاهداً على المجزرة، إذ يرى أن “الأشكال تعددت والموت واحد”، وأن الغوطة لم تعرف طعم الراحة منذ أكثر من عامين.
ويضيف “في الوقت الذي يخطط فيه الناس لمستقبلهم ويرسمون أحلامهم، يحلم أطفالنا بألعاب وأماكن لم يزورها من قبل، فيما نحلم نحن بيوم واحد فقط دون قصف”.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com