اللغة العربية

تحقيق | صراع الأجيال في استخدام اللغة العربية بين الفصحى والعامية

تحقيق: ريَّانة النهام

نسعد حينما نرى الجيل الحالي يتردد على شراء الكتب والروايات، ونسعد حينما نراهم مقبلين على القراءة وعلى حب الاطلاع، لكن ماذا إذا كانت الكتب مكتوبة باللهجة العاميَّة، هل سينتفع منها قارئها؟ ولماذا يُعرِض بعض القراء عن الكتب المكتوبة باللغة العربية الفصحى؟ وما الأسباب التي أدت إلى عزوف القراء عنها؟
في استبيان على موقع (تويتر) شمل 1030 مشاركاً أشار 45% منهم إلى أنهم معارضون لفكرة كتابة الكتب باللهجة العامية، فيما ذكر 36% بأنهم محايدون بشأن ذلك، بينما كان 9% مؤيدين لها.

تشتت الأمة

يؤكد الدكتور خليفة بن عربي رئيس قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بجامعة البحرين، أن الكتابة العربية تخضع لمعايير محددة وأنها ليست مجرد لغة أصوات وكلام ومعان، إنما هي تعبر عن كيان وهوية توجب علينا الحفاظ عليها.
ويكمل حديثه: «الكتابة باللهجة العامية مسألة ليست بجديدة فقد طرحت منذ فترة مبكرة وبالتحديد في عشرينيات القرن الماضي، فقد ظهرت الدعوة إلى اللهجة العامية وكان غرضها ترْك اللغة العربية الفصحى قراءة وكتابة والانزياح للهجة العامية! وظهرت لها داعون علناً وأطَّروا وأصَّلوا لها! وعلى رأسهم سلامة موسى وبعض مَن يُنسبون للأدب بمصر».
وأشار دكتور بن عربي إلى أن الخطورة تكمن هنا في الإحلال أي أن نُحِل اللهجة العامية محل اللغة العربية. ويقول: «هذا خطره عظيم لأننا في هذه الحالة نحل مكان اللغة الواحدة التي ننطق بها ونشكل منها هويتنا وثقافتنا والتي نقرأ بها القرآن الكريم وحديث النبي عليه الصلاة والسلام وتراث هذه الأمة مئات اللهجات العاميَّة، بالإضافة إلى أننا نقود أجيالاً إلى أن تستخدم اللهجة العامية بدل اللغة العربية، وهذا ما يشكل خطراً على اللغة العربية».
ويضيف: «وهذا ما يشكل إشكالية كبرى في أننا نحاول أن نحل ثقافة بدل ثقافة وفكر محل فكر، وستكون نتيجة ذلك ضياع وتشتت العقول والأفهام، ولن نفهم ما المقصود، فالآن الرواية العربية الفصيحة على سبيل المثال رواية كونية، وإذا كتبناها باللهجة العامية ستضيع الكثير من الفنون والأفكار والمعاني، ولن تكون هذه الكتابات إلا كتابات فئوية إقليمية متحيزة وستزيد الأمة تشتتاً وتشرذماً أكثر مما هي عليه من تشتت وتشرذم.

الهوية الأصيلة

الأستاذة عائشة الفجري الروائية ورئيسة نادي الطفل العربي، تؤكد أنها لاتفكر مطلقاً في إصدار كتاب باللهجة العامية، وترى أن اللغة العربية تتميز بأنها لغة القرآن الكريم أولاً، وأنها الأساس الذي يربط حاضر أمتنا العربية بماضيها، وهويتنا العربية الأصيلة التي يجب علينا المحافظة عليها من التفريط والهجر والتَّرْك والنسيان والاندثار.
وترى أن السبب وراء إقبال البعض ولاسيما من فئة الشباب لهذه الكتب هي سهولتها عليهم حيث لايحتاجون فيها للتركيز ذهنياً للبحث عن معاني المفردات، وتكمل: «لكن مثل هذه الكتب لن تفيدهم بالقطع أبداً ولن تزيدهم ثقافة، على عكس المكتوبة باللغة العربية الفصحى ذات المعاني العميقة وخصوصاً أن الفصحى أكثر انتشاراً في الوطن العربي ويسهل ترجمتها للغات أخرى لغير الناطقين بها».
وتضيف: «وبلا ريب أنا من المعارضين جداَ جداً للكتابة باللهجة العاميَّة، وإذا ما فسحنا لها المجال لتنتشر بشكل كبير في مجتمعاتنا العربية سيأتي يوم نجد فيه لغة الضاد قد اندثرت وتلاشت ومُحيَت معها الشخصية والهوية العربية الأصيلة لاسمح الله».
وأكدت بأن تأثير الكتب المكتوبة بالعامية سلبي دائماً، إذ ليس فيها أيُّ إعمال للفكر ولاتوسِّع في مدارك العقل. فأية ثقافة ترتجى منا للهجة العامية؟!

اللغة الأغنى

فيما يرى الروائي عبدالعزيز مال الله أن أغلب من يقرأ يبحث عن الفائدة سواء من الموضوع أو حتى اللغة، فاللغة تلعب دوراً كبيراً في توصيل المعلومة أو الفكرة لأكبر شريحة من القراء، ويرى أن كثيرين من القراء والباحثين أصبحوا يتوجهون نحو الكتب المكتوبة بلغة الضاد (اللغة العربية)، لأنها اللغة الأغنى والأكثر بلاغة على مر العصور.
ويعبر عن وجهة نظره بالقول: «لا أعتقد أن لقراءة كتاب مكتوب بلهجة عامية ذلك التأثيرالسلبي، فكون أحدهم يقرأ ويُقبِل على قراءة كتاب أو رواية ما هو أمر جيد، ولكن بالرغم من ذلك لن يضيف له شيئاً يُذكَر، فعلى سبيل المثال إذا قرأ أحدهم كتاباً باللغة العربية فسيخرج بعدة كلمات جديدة ومعان لم يسمع عنها سابقاً، وبالتأكيد سيضيف له ذلك لكثير؛ وفي المقابل لاتوجد أية إضافة للهجة العامية أو أية عائد ينفع القارىء».
وتابع في توضيحه «وعلى أية حال يعتمد الأمر على العمل وطريقة تقديمه. فإن كان كله من السرد إلى الحوار وبالعامية فبالطبع لا فائدة، لكن إذا كان الحوار الخاص لأحد الشخوص مثلاً بالعامية؛ كأن يعبرعن بيئتة أو ثقافته فلابأس، فالأمر معتمد على تناول الكاتب لتلك الإشكالية».
ويضيف: «أنا لست مؤيداً أو معارضاً، ربما أكون محايداً، المهم أن نساهم بشكل أو بآخر في إقبال الشباب بالذات وتشجيعهم على القراءة. بعضهم يعتقد أن الكتابة بالعامية تقرِّب الشباب والمراهقين أكثر نحو القراءة، وبعضهم يرى أنها تدمر اللغة وتبعدهم عن اللغة العربية. ومن وجهة نظري أنه طالما أن القارىء يقرأ ويتنور فعندها سيقارن بنفسه ويرى نتيجة الاختلاف بين الحالتين. وبالطبع أنا أفضِّل الكتابة باللغة العربية؛ لغتنا الغنية».
وينوه الوائي إلى أن اللغة العربية مميزة على أكثر من صعيد؛ فهي لغة الضاد.. لغة القرآن الكريم. فيها كل البلاغة والجمال. ولايعلم السبب الذي يدعو بعض كُتَّاب لتجاهل اللغة العربية، فهي تحمل الكثير من المعاني والجمال على أكثر من صعيد، ويحض على الاهتمام أكثر باللغة العربية.

الحوارات العامية

أما عبدالله السعيدي عضو رابطة الأدباء الكويتيين فيقول: «أنا معارض في السرد مؤيد في الحوارات! إذا كان يفيد النص الأدبي، أما في السرد.. فالعامية ضعيفة في الوصف. هذا من الجهة الفنية، ولكن استخدام العامية عموماً لايتعارض مع أسس كتابة الرواية. وهناك عوامل أخرى تجعل الكاتب يستخدم الفصحى، كالانتشار والاعتزاز باللغة وخصوصاً أن الدعوة إلى العامية صدرت أولاً من المستشرقين رغبة منهم وقصداً لردم ما تبقى من صلات وروابط بين الدول والشعوب العربية».
ومن جانبها ترى الروائية والمدربة فاطمة محمد بأن اللغة العربية تتميز بأنها مكمن المعاني. ويمكن للكلمة الواحدة أن (تدبلج) لأكثر من معنى، وبتشكيل بسيط تُعطي معنى أجمل، وتقول: «أعتقد أن السبب وراء الإقبال على الكتب المدونة بالعامية والدَّارجة هو ظن وتَوَهُّم قارئيها أن اللغة العربية تفوق قدراتهم، ولرغبتهم بتخيل المواقف باللهجة العامية تمامًا، كما لو أنهم يعايشون مسلسلاً تلفزيونياً!».
وتضيف: «أنا أعارضها لكونها مشتِّتة لمعنى الأدب ومفهومه رغم احترامي لكاتبها، ورغم أن لها جمهورها! ولكن حبذا لو كان الكتاب فرصة للاستمتاع والتثقيف والتربية والوصول لحصيلة لغوية رفيعة إضافية».
وأدلى الكاتب سعد البدر بدلوه حول هذا الموضوع قائلاً: «أنا محايد بشأن الكتابة بالعامية من باب احترام رغبة من يفضل القراءة بها ويجدها لغة محببة إليه، لكننا ندعوهم لتغيير هذا النهج مع مرور الوقت والشروع في تذَوُّق لغتنا العربية وتقدير أهميتها لنا ولهم».
ومن طرفه يعارض الروائي عمر العمر الكتابة بالعامية في الروايات، مع التَّرَخُّص بشأن الروايات الشعبية، ولايعارض الحوارات العامية بقصد التوضيح، ويرى أن المجالات الأخرى للكتابة تعتمد على حسب المادة المراد الكتابة فيها.
وفي النهاية تبقى اللغة العربية الفصحى الحجر الأساس لهويتنا وأمتنا العربية، والتي يتوجب علينا الاهتمام بها وإيلاءها العناية والرعاية المُثلى حتى لايأتي يوم نراها فيه لغة مندثرة أو على الهامش. ولْنعلَم أنه مهما استهوتنا لغات أو لهجات أخرى فإنه يجب علينا ألا نتخلى عن لغتنا الأم.

• إشراف: د. عدنان بومطيع

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com