chicken nuggets_0002 (1)

تحقيق | ظاهرة الـ«CHICKEN NUGGETS».. موضة الجيل الحاضر أم صنيعة أولياء الأمور؟

تحقيق: سلمى التيتون

ظهرت في الآونة الأخيرة في مجتمعاتنا العربيَّة ظاهرة عزوف الأطفال والمراهقين عن استخدام اللُّغة العربيَّة في حياتهم اليوميَّة، والاتجاه نحو الاعتماد على اللُّغة الإنجليزية كلُغة أساسية، وهو ما أطلق عليه المجتمع اليوم اسم ظاهرة (Chicken nuggets).
وفي استفتاءٍ أجريناه على موقع التَّواصل الاجتماعي (تويتر) حيال هذا الموضوع، تبين منه أن 49% من المشاركين وجدوا أن الجيل الحالي يعتمد اللغة الإنجليزية كموضة دارجة بينهم، بينما يعتقد 37% منهم أن هذه الظَّاهرة ما هي إلا من صُنْع أولياء الأمور، أما بقية المشاركين فكان لهم رأي آخر يتمثل في أن هذه الظاهرة تعد موضةً ساهم أولياء الأمور في تعزيزها لدى الأطفال والناشئة.

نحن نعيش في مجتمعٍ لغته الأساسية هي العربية، إلا أن موجة التغيير التي أحاطت بالعالم جعلت من اللغة الإنجليزية أساسًا يرتكز إليه الكثيرون في تحادثم والغير، مما أفقدهم جزءًا ليس بالهيِّن من هويَّتهم التي تميِّزها لغة الضَّاد.
يقول سلمان محمَّد (27 عامًا)، ويعمل موظفاً بشركة طيران الخليج: «أكثر الشَّركات الآن تعتمد على اللغة الإنجليزيَّة في تعاملها في جميع نواحي العمل، وخاصةً الشَّركات العالمية التي يكون فيها غالبية الموظفين والمديرين أجانب يتحدثون باللغة الإنجليزية عادة؛ ولذلك تكون متطلبةً منَّا تبعاً».
ومعبِّراً عن رأيه يقول أستاذ العلوم متقاعد حسين السَّلمان (86 عامًا): «حاجة المجتمع للغة الإنجليزية الآن تستدعي لأنْ يتحدَّث كلُّ فردٍ منَّا بلغةٍ أجنبيَّة!».

سلاح ذو حدِّين

وفي رأي علي مرهون (33 عامًا) أن «استخدام اللُّغة الإنجليزية بالطريقة الصحيحة أمر لا بأس به، فهي لغةٌ مطلوبة اليوم، ولكنَّ الذي يحدث الآن مُبالَغ فيه؛ حيث إن الناس بدأوا تتخلون عن لغتهم الأم، معتمدين اللغة الإنجليزية أساساً لتخاطبهم».
ويضيف سلمان محمَّد: «شخصيًا أجد أنه على النطاق العملي فإن اعتماد اللغة الإنجليزية أكثر من العربية في النطاق العملي مُسلَّم به نظرًا لِما تحتِّمه الظروف الوظيفية والعملية، ولكن على النطاق الاجتماعي يكون العكس، لِما لذلك من أثر سلبي على المجتمع، فنرى الطفل يتشرَّب اللغة الإنجليزيَّة منذ نعومة أظفاره ويكبر على هذا الأساس، فيصبح ضعيفًا في لغته العربية من ناحية التحدُّث مع من حوله، وقراءة القرآن الكريم وما شابه ذلك، وهما نلمس وجود فجوة بين الأجيال السابقة والحالية».

الأطفال بين اللغتين

ويقول قاسم جابر (16 عامًا)، بأنَّه يتحدَّث باللغة الإنجليزية أكثر من العربية؛ لأنه نشأ وتعلَّم بهذه اللغة لكونه طالبًا في مدرسةٍ خاصَّة تعتمد الإنجليزية أساساً.
أمَّا مهدي محمَّد (7 أعوام)، فيعبِّر عن السبب وراء اعتماده اللغة الإنجليزية بقوله: «صرت أتحدَّث باللغة الإنجليزية لأنَّها أسهل من العربية! وأشعر بالأُلفة والارتياح مع أصدقائي الذين يتحدثون بالإنجليزية أكثر من أولئك الذين يتحدثون بالعربية!».
بينما تختلف معهما كلثم زهير (12 عامًا)، فتقول: «أتحدث باللغة العربية أكثر من الإنجليزية؛ لكون العربية لغتي الأصلية، ورغم أنني طالبة بمدرسةٍ خاصَّة إلا أن ذلك لايعني أنْ أتخلَّى عن لغتي الأم».
وتُكمل كلثم باستياءٍ واضح: «عندما أكون بين مجموعةٍ من الصديقات اللاني في عمري وأسمعهن يتحدثن باللغة الإنجليزية أشعر وكأنَّ العربية لاتعجبهم، لذا أنصحهن بالاهتمام بلغتنا الأم بصورةٍ أكبر».

موضة أم صنع؟

أما حنان رياض (20 عامًا)، طالبة لغة إنجليزية بجامعة البحرين، فتقول «صار الشَّباب من الجنسين اليوم يعتمدون – للأسف – اللغة الإنجليزية كجانبٍ من الموضة»، مشيرةً إلى أنَّ المشكلة لاتتوقف عند هذا الحد، وإنما يجعلهم ذلك يتقمَّصون الشَّخصيات الغربيَّة بكافة سلوكيَّاتها.
بينما أكَّدت مريم السلمان (28 عامًا)، أنَّ الأهالي يشجِّعون أبناءهم على جعل اللغة الإنجليزيَّة لغة أساسيّة لديهم؛ بحكم أنَّها اللغة الدَّارجة والشائعة في وقتنا الرَّاهن في الدراسة الأكاديمية وفي دواوين العمل في كل العالم، ممَّا يجعلهم يقْدِمون على غرس هذه اللغة بداخلهم أبنائهم منذ طفولتهم حتى يعتادوا عليها ويستوعبوها.
ويشير جابر علي (48 عامًا)، وهو شاعر ومثقَّف بحريني، إلى دور الأهالي في تفاقم هذه الظَّاهرة قائلاً: «أشهد الكثيرمن المواقف التي تشجِّع على تلك الممارسات، حين أرى أنَّ الأم (تحديداً) تخاطب طفلها أو طفلتها ذا السنوات الأربع أو الخمس باللغة الإنجليزيَّة في السوق والشارع، فيرد عليها بذات اللغة، فتشعر هي عندئذٍ بالفخر والتباهي لهذا الأمر!».
ويردف بأن هنالك أسباب أخرى لذلك، منها «انبهار صغارنا وشبابنا بالحضارة الأميركية والغربية، حيث إن الأفلام السينمائية وأدوات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها كلها ناطقة أو تعتمد لغة أجنبيّة وبالذات الإنجليزية».
وهو الأمر الذي أيَّدته حوراء الفردان (19 عامًا)، طالبة اللغة العربية بجامعة البحرين، وقالت: «يجد الكثير من الأهالي في استخدام أبنائهم للغة الإنجليزية عوضًا عن العربية مصدر فخر لهم، غافلين عن أنَّهم دفنوا في الابن انتماءه للغته الأم، وانعدام اللغة الأساسيَّة على لسانه».
وتتابع الفردان بأنَّها ليست ضد تعلُّم الأبناء للإنجليزية، إنما ترى أنه على الوالدين تعزيز لغتهم الأم لدى أطفالهم، وجعْلها في كفَّة موازية للغة الإنجليزية، بحيث لاتخل إحداهما بالأخرى، فيحافظ الطفل على لغته صحيحةً سليمة والتي تمثِّل هويَّته العربيَّة، مع إجادته لغة خارجيَّة لاتؤثِّر عليها».

آراء وتوصيات

ومن جانب اختصاصي، يؤكِّد الدكتور عمر حمدان الكبيسي، أستاذ قواعد اللغة العربية بجامعة البحرين على خطورة هذه الظَّاهرة، فيقول: «لأولياء الأمور الدَّور الأكبر في حل هذه المشكلة، فباستطاعتهم زرْع حب لغة القرآن في قلوب الأبناء، وبيان أهميَّتها في تثبيت هويَّتنا، فعزوفهم عن اللغة العربية ولَّد آثارًا سلبية، منها ضعف انتمائهم للدِّين والأمَّة، وضعف الوازع الأخلاقي، وتقوية دافع التبعية والانتماء للأجنبي الغريب عن ديننا وأخلاقنا».
ويرى الدكتور عمر كذلك بأنَّ على كافة الأطراف أن تتشارك في حل هذه المشكلة، من أولياء أمور، ووزارة التربية والتعليم، والمدارس والجامعات، من خلال النشاط غير الصَّفي؛ للعمل على تقوية وحُب اللغة العربية التي شرَّفها الله بأنْ جعلها لُغةً لكتابه العزيز.
أما الدكتور أحمد محمَّد ويس، أستاذ اللغة العربية بجامعة البحرين فيبدي رأيه حيال هذه الظاهرة قائلاً: «لََطالما كان مؤلمًا بالنسبة لي أن أسمع طلبتي يستخدون كلماتٍ أجنبيَّة في حديثهم ولديهم من البدائل ما هو أجمل بكثير، لذلك وجدتُ أن ثمة واجباً يقع على عاتق معلِّميهم وهو أن يبثُّوا فيهم الوعي بأهميَّة هذه اللُّغة الشَّريفة».
ويضيف مقترحًا: «على المسؤولين عن التعليم باختلاف مراحله أن ينتبهوا إلى التقصير الحاصل في تدريس اللغة العربية وعدم إعطائها القدر الذي تستحقُّه من الاهتمام، كذلك فإنَّه ينبغي على الأبوين أن يزرعا في أبنائهم محبَّة هذه اللُّغة منذ نعومة أظافرهم».
ويبيِّن جابر علي مدى صعوبة المشكلة التي نواجهها، فيرى أنَّ الحلول تبدو صعبةً بعد تفشِّي هذه الظَّاهرة، إلا أنه أبدى مقترحات ربما تخفِّف إذا عُمِل بها من حدَّة الاندفاع نحو لغاتٍ أخرى، فيقول: «قبل أي شيء، لابدَّ من اقتناع الأبوين بقيمة اللغة العربية وقيمتها وقَدْرِها ومكانتها في الحضارة والمجتمع، مع الإقرار بأهميَّة اللغات الأخرى».
ومن منطلق الدِّراسة، يكمل توصياته: «هذا إلى جانب ما يتعلق بالمدرسة، ومنها مثلاً جعل الأولويَّة لمنهج اللغة العربيَّة في المدارس، مع مراعاة أن يتناسب وعمر الطفل واهتماماته وميوله، وتنظيم مسابقات في اللغة العربيّة للأطفال دون العاشرة. والجدير بالملاحظة أنَّ المسابقات التي تُنظم وتُجرى في المدارس والجامعات تكون في كل المواد إلا اللغة العربية. هذا إلى جانب توفير قصص وحكايات باللغة العربية للأطفال في بيوتهم؛ للتَّعوُّد على القراءة السليمة وتكوين مخزون لغوي ومعرفي باللغة الأم.. العربيَّة الجميلة».
إذًا تلتقي الأصوات وتتَّفق على أن هذه الظاهرة ليست مجرَّد كلمات تُقال فحسب، وإنَّما تتعدَّى ذلك في جوانب أعمق وأكبر تؤثِّر على حضارتنا العربية والإسلامية، فعلينا جميعًا أنْ نتكاتف لنحافظ على لغتنا العربية من التلاشي والسُّقوط في دوَّامة الضياع وحفاظًا علينا نحن، فكم من أُمَّةٍ اندثرت بتراثها وتاريخها بسبب اختفاء لغتها، وهذا ما لانقبله على لغتنا العريقة التي ميَّزها الله تبارك وتعالى حينما جعلها لغةً لكتابه الحكيم.

• إشراف: د. عدنان بومطيع

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com