1

تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة الشاعر مساعد الرشيدي

ما بين مصدق ومكذب من هول الفجيعة مايزال محبو الشاعر مساعد الرشيدي لم يفيقوا بعد من الصدمة الأولى لنبأ رحيله، والذي سيبقى غصة طويلة في حلق الشعر ودمعة عالقة في المحاجر تأبى السقوط، كحال مساعد الذي ظل شامخاً في قصيدته وإنسانيته على مدار ثلاثة عقود، كونهُ التجربةَ التي جمعت بين البهاء والفخامة في القصيدة المحكية، وله لونه وطريقته التي مزج فيها بين الكلاسيكية والحداثة، وتعامل مع القصيدة بإحساس شاعر ليس في أجندته سوى جعْل الحياة أكثر نبلاً وأصدق مشاعر.
اليوم في رحيل (سيف العشق) و(فارس) القصيدة لايملك الوسط الشعبي قصائد مبجَّلة لرثائه، ولايملك المحبون مفردة للموقف المهيب، فقصائد مساعد الرشيدي وشعره ليست للتوابيت، ولاتعزف على إيقاع المقطوعات الجنائزية.

مساعد في سطور

وُلِد مساعد الرشيدي في الدمام بالمملكة العربية السعودية عام 1962، وانتقل مع أسرته لدولة لكويت بسبب ظروف عمل والده الذي كان يعمل في القطاع العسكري هناك، ثم انتقل إلى جازان بالسعودية وفيها نظم أول محاولة شعرية. وعاش فترةً من مراهقته بمدينة خميس مشيط، قبل أن ينتقل للدراسة في شركة (أرامكو) لمدة عام ونصف العام. ثم التحق بكلية الملك خالد العسكرية في الرياض، وتخرج منها برتبة ملازم، وكان الخامس على دفعته، والتحق بالعمل في قطاع الحرس الوطني إلى أن وصل إلى رتبة عميد في سلاح المدفعية.
يقول مساعد إن علاقته بالشعر بدأت بعد تخرجه من الكلية، وأول أمسية شعرية له كانت في منطقة القْرَيَّات، كان مطلَّعاً وشغوفاً بالقراءة، هو مثقف يرفض التصنيف على أساس ذلك كي لاينحو بعيداً عن الشعر، وهو أحد الشعراء الذين برزوا فترة ثمانينيات القرن الماضي، وحافظوا على قيمة الشعر الشعبي من رحلة البدايات إلى ساعة رحيله.

آخر بيت شعر

بدأت قصته مع الشعر متذوقاً في العام 1971 عندما وقعت يده للمرة الأولى على ديوان يضم مجموعة قصائد، وبدأ يتحسس بذائقته التي كانت في طور النمو حينها دهاليز القصيدة حبكة وبناء، حتى حانت أول لحظة والتي وصفها بـ(المحاولة الطائشة) التي نظم فيها قصيدة، فتعرض لأقسى وأحن ردة فعل نقدية من والده رْبَيِّع الرشيدي الذي كان جزءاً من إلهامه، وساهم في إشعال التحدي في نفس ابنه، وعندما كبر أهداه مساعد شعراً بارَّاً به قال فيه:
يابوي.. لايلحقـك شكٍ ولا ريب
أنفض هجوسك وارفع الراس عالي
أنا شبابك لا غزى راسـك الشيب
وأنا عضيدك.. لو تجور الليالي
مساعد الذي قال يوم ما: «آخر عباراتي وداع.. وآخر مشاويري رحيل» وذلك بموقع التواصل الاجتماعي حين بث تغريدة قبيل خمسة أيام من رحيله، وذكر فيها الوطن مرتين، وشارك الناس فرحة الاحتفاء بالإنجاز الأمني الذي شهده حي الياسمين. مساعد البطل تغنى ببطولة جبران عواجي في بيت ربما كان الأخير قائلاً:
مادام يولد للوطن مثل جبران
تموت عدوان الوطن ما تطوله
آخر أمنياته وتعازيه
مساعد الرشيدي ابن حائل الشمالي الذي انحازت إليه جغرافيا الوطن بداية من الشرقية ثم الجنوب والمنطقة الوسطى. كان لتلك الرحلة الممتدة أثر في تشكيل تجربته وثراء قصيدته ووجدانه. كانت لديه أمنيات كثيرة، وأكبرها وأسماها كانت للوطن الذي طالما تغنَّى به شاعراً وجندياً، وإحدى أمنيات العميد مساعد التي كان يبوح بها بحرقة صادقة أنْ يكون ضمن قوة أفراد الحرس الوطني المرابطة في الحد الجنوبي، وقال في أكثر من إطلالة: «أغار من جنودنا البواسل المتواجدين الآن في حدود جيزان ونجران، أتمنى أنني الآن بينكم يا أبطال».
وعلى صعيد العزاء لم يُفقِد التعبُ مساعد واجبه الإنساني، فقدم تعزيته منذ أيام لأسرة الشاعر أحمد الناصر الشايع حيث كتب: «اللهم ارحم أحمد الناصر الشاعر العَلَم الكبير. مر كالغيوم لاتترك إلا ظلاً أو مطراً، وألهم أهله ووطنه ومحبيه الصبر والسلوان».

التقرير الأخير

كان آخر التقارير المطولّة المكتوبة التي تم تداولها عن الشاعر مساعد الرشيدي في الإعلام الجديد، وذلك بعد احتفاء الوسط الشعبي والثقافي بخروجه من المستشفى، أنه كان في منتهى اللطف وهو يبعث إلينا بتحية رغم أوجاعه التي تحامَل عليها، كان يؤكد لنا أن الشعر عالم آخر للشاعر وقد يكون ترياقه الذي يرتوي منه ويسقي به أوجاعه، وعرجنا فيه حينها على تجربته الشعرية والغنائية، وقبل هذا التقرير الصحافي طلبنا منه طمأنة محبيه على وضعه الصحي، فآثر أن يكون ذلك بعد انتهاء برنامجه العلاجي، وطلب منا حينها الانتظار أربعة أيام، واليوم تستلهم الذاكرة من قصيدة (إنتي نسيتي) الشطر الذي قال فيه:
يا صدى من غير صوت
ما به حياة من غير موت
مناجاة وتغريدات
من بين القصائد التي كتبها، يتناقل المغردون أبيات مناجاة روحانية للشاعر مساعد الرشيدي، الذي لايليق الكتابة قبيل اسمه مفردة (الراحل)، لأن الشعراء لايموتون! مساعد الذي تنكَّس أعلام الشعر لرحيله اليوم قال ذات يوم:
يا رب يوم ألقاك والحال عاري
تستر عذاريبي.. وتغفر ذنوبي
يا رب قبل أجيك ماعدت داري
من زيفهم من وين هبت هبوبي
وقال:
يا عالم الغيب يا سامع دبيب النمل
يا منبت الحب يا محصيه يا فالقه
يا رب.. تمهل لنا لين الدموع تهمل
مـن خشيتك يا كريمٍ رحمته سابقه

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com