Syrian civil war

دروس العام الرابع للثورة السورية.. وملامح السنة الخامسة

يبدو أن شعار (الأسد أو نحرق البلد) الذي أطلقه موالو النظام السوري منذ بداية الثورة السورية، لم يكن مجرد شعار لترهيب المعارضين، فقد تبيَّن مع تقدُّم سنوات الثورة، أنه استراتيجية تبنَّاها رئيس النظام بشار الأسد منذ اليوم الأول بالفعل، ونفّذها بحذافيرها، وهي استراتيجية تقوم على الرد على أي احتجاج بأبشع الجرائم فظاعة، مترافق مع هدم المدن وتسوية بعضها بالأرض، وإهانة الرموز الدينية.
نجح النظام إلى حد بعيد في تدمير جزء كبير من سورية كدولة، كما نجح في قتل نحو 177 ألف مدني سوري منذ بداية الثورة بحسب إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وفي هدم مدن بأكملها، وصناعة التطرف.
في المقابل، فإن الثورة، ومع دخولها عامها الخامس، استطاعت عملياً أن تُفقِد النظام معظم مقوماته الأساسية كالسيادة والسلطة، من دون أن تتمكن من إزاحته بسبب عدم وجود إرادة دولية لإسقاطه، وتفضيل الدول المتدخلة بالشأن السوري وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، أن تسود سورية حالة من الاستعصاء السياسي بين المعارضة والنظام، وتتحول عسكرياً إلى ساحة صراع مسلح، بين مليشيات من مختلف الجنسيات، مع الحفاظ على نوع من التوازن بين القوى المتصارعة.
ويتوقع كثيرون أن تشهد السنة الخامسة إعطاء واشنطن هامشاً أكبر من التدخُّل الإيراني في الشأن السوري، كانعكاس للتقدم الذي تحرزه في مفاوضاتها النووية مع إيران، والتي تعوِّل عليها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما كإنجاز! لها خلال فترتي حكمه.
وبالتوازي مع غض الطرف عن التدخل الإيراني، أنجزت واشنطن اتفاقاً مع تركيا على تدريب المعارضة السورية المسلحة الموسومة بـ(المعتدلة)، في ما يبدو تحضيراً لإنشاء قوة (معتدلة) لتكون شريكاً في ملء الفراغ بعد نظام الأسد، وقد يمكِّن هذا الاتفاق الحكومة التركية من تنفيذ مطلبها بإقامة منطقة عازلة على الحدود السورية التركية، تُشكِّل منطقة آمنة للعناصر التي ستقوم بتدريبها، وفي الوقت نفسه تحصِّن حدودها الجنوبية من التداعيات المحتملة لتطور الأحداث في كل من سورية والعراق. وقد تستفيد تركيا من التقارب مع المملكة العربية السعودية في تحقيق هذا المطلب حتى من دون غطاء دولي.
أما عسكرياً، فعلى الرغم من تنامي نفوذ تنظيم (جبهة النصرة) في شمال سورية، إلا أنه من المتوقع أن يتراجع هذا النفوذ مع التوجُّه الأميركي لدعم الفصائل المعتدلة. ويسود الاعتقاد بأن تغيِّر بعض الفصائل الإسلامية في استراتيجيتها وتتحول للعمل على المستوى الوطني. كما يُتوقع أن تبدأ شعبية (النصرة) بالانخفاض بعد توجُّهها نحو التدخل بشؤون المدنيين، واستعداء الفصائل العسكرية الأخرى، ضمن سلوك يشابه إلى حد كبير سلوك تنظيم (داعش) في تلك المنطقة، والذي أدى إلى طرده منها.
ومن المرتقب أن تشهد المرحلة المقبلة المزيد من التنسيق بين حركة أحرار الشام الإسلامية مع فصائل الجيش الحر الأخرى، بعد التغيير الواضح في استراتيجية الحركة، التي يبدو أنها تتجه نحو التخلي عن الجهادية السلفية، لصالح الانخراط ضمن المشروع الوطني.
في المقابل، تبدو القوى الكردية الآن الأكثر تماسكاً بين الأطراف التي تعوِّل عليها الولايات المتحدة عسكرياً في المنطقة، كما أنها الجهة التي تحظى بالثقة الأكبر لجهة ابتعادها عن التطرف الديني. إلا أن هذه القوى لديها ميول انفصالية تطرحها مبدئياً من خلال الإدارة الذاتية وصولاً لحلم الدولة الكردية. إلا أن السير في هذا المشروع قد يؤدي إلى صدام بين تلك القوى والنظام الذي كان يريد لها أن تؤدي دوراً في طرد (داعش) كي يحل هو محله. ويرتبط بروز القوى الكردية خلال المرحلة المقبلة بمدى الحاجة الأميركية إلى دور قد تقوم به تلك القوى بعدما استخدمتها واشنطن في طرد تنظيم (داعش) من منطقة كوباني بسوريا.
وفي شرق سورية، يُتوقَّع أن تستمر معارك الكر والفر بين تنظيم (داعش) وكل من فصائل الجيش الحر، والفصائل الكردية، مع انخفاض وتيرة معارك (داعش) مع النظام السوري وذلك كون بقاء كل منهما يعتمد على بقاء الآخر.
كما يُتوقّع أن تشهد الجبهة الجنوبية مزيداً من التصعيد مع دخول كل من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني على خط القتال إلى جانب النظام، ومع تنامي قوة الجيش الحر هناك، فإنه سيسعى إلى إحراز تقدم قد يوصله إلى بوابة دمشق من المنطقة الجنوبية، وهو ما يخفف العبء عن المعارضين في غوطتَي دمشق.
وترى بعض القراءات أن يستمر النظام السوري خلال السنة المقبلة، في محاولة إثبات وجوده، وأنه مايزال فاعلاً ضمن المعادلة السورية. لكن مع طغيان النفوذ الإيراني داخله، وزيادة تحَكُّمه بقراره، قد ينشأ صراع خفي يسعى من خلاله النظام للحد من النفوذ الإيراني، أو منْعه على الأقل من الحلول مكانه. وقد حملت الأشهر الأخيرة مؤشرات عديدة إلى احتمال تعاظُم اعتراض جدِّي من داخل النظام السوري ومؤسساته الأمنية إزاء تحكُّم حزب الله والقوى الإيرانية بمفاصل الحكم في دمشق.
ومع تراجع القدرات العسكرية للنظام وإنهاكه خلال السنوات الأربع الماضية، يبدو أنه يتجه لاتِّباع استراتيجية جديدة تقوم على الإفناء الذاتي للمجتمع في المناطق البعيدة عن سيطرته المباشرة، وذلك من خلال تشكيل مليشيات محلية في تلك المناطق، وخلق صراعات محلية بين تلك المليشيات يكون هو المتحكم بها بشكل يمنعها من التمدد نحو مراكز نفوذه، كالمليشيا التي أنشأها أخيراً في الحسَكة، وبعض المليشيات العائلية ضمن مناطق سيطرته في حلب، والمليشيات التي ظهرت في السويداء.
ويعتبر رئيس حزب الجمهورية السوري المعارض محمد صبرة، في حديث لـ(العربي الجديد) أن «الثورة تمكّنت مع نهاية عامها الرابع من إسقاط النظام والمعارضة معاً»، مشيراً إلى أن «سورية تدخل العام الخامس من الثورة ضمن مرحلة فوضى ما بعد الثورة، فيما تحوَّل النظام إلى مجرد مليشيا تديرها إيران، بعد انهيار مفهوم الدولة والسيادة والسلطة».
ويرى صبرة أن «النظام سقط عملياً بعد أن أصبح الإيرانيون يقودون المعارك على الأرض نيابة عنه، ويُعدِمون ضباطاً من جيشه، وبعد أن أصبحت 41 دولة تقاتل في سماء سورية من دون موافقته».
ويرى صبره أن المشهد السوري ذاهب باتجاه التدويل الكامل، ليس للحل فحسب بل لتدويل الأزمة بحد ذاتها، موضحاً «أننا لن نشهد طرفين سوريين فقط على طاولة المفاوضات بل ستكون هناك أطراف دولية من الدول ذات المصالح في سورية».

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com