القدس

ربع قرن على وادي عربة.. كيف يبدو حال الوصاية الأردنية على الأقصى..؟

قبل ربع قرن وقَّع الأردن و(دولة) الاحتلال اتفاقية السلام المعروفة باتفاقية وادي عربة، وتضمنت الاتفاقية التي طبَّعت العلاقات بين الجانبين جملة من الأمور يعنينا منها هنا المادة التاسعة المعنيَّة بالأماكن ذات الأهمية التاريخية والدينية، التي يستفاد منها (اعتراف (دولة) الاحتلال بالوصاية الأردنية على الأقصى لكن في لغة تظهَر فيها (إسرائيل) صاحبة القرار حول المسجد.
وفي هذا التقرير الذي أعدته الباحثة براءة درزي لموقع مدينة القدس نتابع مسألة الوصاية الأردنية وما آلت إليه الأمور في الوقت الراهن.
وقد نصت المادة التاسعة على ما يأتي:
سيمنح كل طرف للطرف الآخر حرية الدخول للأماكن ذات الأهمية الدينية والتاريخية. وبهذا الخصوص وبما يتماشى مع إعلان واشنطن، تحترم (إسرائيل) الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستُولِي (إسرائيل) أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن.
وسيقوم الطرفان بالعمل معًا لتعزيز حوار الأديان بين الأديان التوحيدية الثلاثة بهدف العمل باتجاه إيجاد تفاهم ديني والتزام أخلاقي وحرية العبادة والتسامح والسلام.
وتعود الجذور الأولى للدور الأردني في الأقصى إلى عام 1924 عندما موَّل الشريف الحسين بن علي، جدّ العائلة الحاكمة في الأردن اليوم، إعمار المسجد الأقصى. وترسَّخ الدور عام 1950 عندما أصبحت القدس جزءًا من الأردن، عبر مجلس الأوقاف الإسلامية، ثم وزارة الأوقاف، وصولاً إلى الهيئة الإسلامية العليا التي تأسست عام 1967، فعادت بذلك إدارة الأقصى إلى وزارة الأوقاف الأردنية عبر دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس ومجلس الأوقاف الإسلامية المشرف على عملها. وفي عام 2013 جرى تعزيز هذه الوصاية بالاتفاق الموقَّع بين ملك الأردن عبدالله الثاني ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
وتتولى إدارة الأقصى وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية عبر دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس ومجلس الأوقاف الإسلامية المشرف على عملها، وتتضمن الوصاية الأردنية رعاية المسجد وصيانته وحمايته.

استهداف الوصاية

وتؤشر الاعتداءات (الإسرائيلية) المتكررة على المسجد الأقصى على الكثير عن حال الوصاية الأردنية على الأقصى اليوم. والاستهداف (الإسرائيلي) للوصاية الأردنية يتّخذ أشكالاً متعددة يمكن إيجازها في مجموعة من العناوين تبين تجاوزًا واضحًا للدور الأردني ومساعي بيِّنة لتقويض الوصاية الأردنية على المسجد. وتتضمن هذه العناوين تحَكُّم سلطات الاحتلال في فتح المسجد وإغلاقه، ودخول المسلمين إليه، واستهداف موظفي الأوقاف بالاعتداء والإبعاد، ومنْعِهم من أداء عملهم، وعرقلة عمل الأوقاف كالإعمار والترميم.
ووفق تقرير (عين على الأقصى) السنوي الصادر عن مؤسسة القدس الدولية، تمنع سلطات الاحتلال إجراء أية إصلاحات أو ترميم في الأقصى، وتعتقل موظفي الإعمار وتبعدهم عن المسجد، وتعرقل نحو 20 مشروعًا من مشاريع العمارة والترميم في المسجد، من بينها منع إزالة أكوام الأتربة من المنطقة الشرقية، وتبليط ساحات المسجد والمصاطب، إضافة إلى البنية التحتية التالفة من كهرباء وماء.
وفي سياق الاعتداء على الحراس، تعمل سلطات الاحتلال على منعهم من أداء عملهم في المسجد، وتعتقلهم وتحقق معهم ولاتتورع عن إصدار قرارات بإبعادهم عن مركز عملهم مُدَدًا مختلفة. وقد شنت قوات الاحتلال حملة شرسة على الحراس عقب هَبَّة باب الرحمة حيث عمدت إلى تنفيذ حملة اعتقالات ضدهم طالت الحراس الذين كانوا يفتحون المصلّى يوميًا.
ولاتستثني قوات الاحتلال كبار موظفي الأوقاف من الاعتقال، حيث اعتقلت كلاً من رئيس مجلس الأوقاف الشيخ عبدالعظيم سلهب، ونائبه الشيخ ناجح بكيرات، على خلفية هَبَّة باب الرحمة، ثم قررت إبعادهما عن الأقصى من دون أي اعتبار للأردن.
وتكررت الحالات التي منعت فيها قوات الاحتلال حراس الأقصى من الاقتراب من مجموعات المستوطنين أثناء جولات اقتحام الأقصى وذلك لمنْعِهم من مراقبة سلوكهم وتوثيقه. وهذا المنع الذي رصد عامي 2017 و2018 لوحظ بقوَّة في موسم ما تسمى (أعياد) عبرية عام 2019 إذ منع الاحتلال الحراس من الاقتراب من المقتحمين الذين رُصِدوا يؤدون طقوساً تلمودية في المسجد.

باب الرحمة

ويتحدى الاحتلال الوصاية الأردنية على الأقصى بطرق مختلفة، أبرزها محاولة القفز عن حقيقة أن الأردن هو المسؤول عن مختلف المباني في المسجد ووجهة استعمالها. فبعدما تمَكَّن المقدسيون من فتح مبنى باب الرحمة وأداء صلاة الجمعة فيه بتاريخ 22/2/2019، حاول الاحتلال امتصاص الموقف المقدسي ريثما يتمكن من استعادة زمام الأمور، أو محاولة التوصل إلى حل مع الجانب الأردني.
وعلى الرغم من إعلان وزارة الأوقاف الأردنية أنّها تَعُد باب الرحمة مصلى وتتعامل مع المبنى من هذا المنطلق فإن قوات الاحتلال ماتزال تعاكس هذا الموقف، وبعد فشلها في إغلاق الباب وجر الحكومة الأردنية إلى إغلاق المبنى تحت عنوان حاجته إلى الترميم فإنّها تتبع سياسة تقوم على إخلاء المصلى ومنْع المسلمين من الصلاة فيه، ومصادرة خزائن الأحذية والقواطع الخشبية وكل ما يدل على أنه مصلى، علاوة على اقتحام المكان بالأحذية لتؤكد عدم اعترافها بالمكان كمصلّى.

«نشطاء المعبد»

ولاتنفك الموسومة (منظمات المعبد) والعاملون في إطارها يطالبون صراحة بإنهاء الوصاية الأردنية على الأقصى، وبرز ذلك بعد إعلان الأردن العام الماضي اتّجاهه إلى إنهاء العمل بملحق الغمر والباقورة، حيث دعا الموسومون (نشطاء المعبد) إلى إعادة النظر في مسألة تأجير الأقصى للأردن، فطالب المدعو أرنون سيجال بـ»إلغاء إيجار جبل المعبد للأردنيين من مبدأ المعاملة بالمثل» فيما طالب عضو الكنيست الحاخام المدعو يهودا غليك، (رئيس الحكومة) المدعو نتنياهو «بالعمل وفق مصالحنا، وأن يخبر ملك الأردن أنه في حال تصرَّف الأردنيون بشكل فردي وفقًا لمصالحهم، سنتصرف نحن بالطريقة ذاتها، وسنرد رجال الوقف الذين تسمح لهم (إسرائيل) بـ(كرمها) بالتجوّل في جبل المعبد، إلى الأردن، ونفرض السيادة (الإسرائيلية) الكاملة في المكان المقدس لنا».
وفي سياق مشابه، كان عضو الكنيست المدعو موشيه فايغلين قدّم عام 2014 مشروع (قانون) يقترح إنهاء الوصاية الأردنية على الأقصى ووضع المسجد تحت ما أسماها (السيادة الإسرائيلية) الكاملة؛ الأمر الذي أثار اعتراضًا أردنيًا واسعًا.

الموقف الأردني

وقد نجح الأردن في العديد من المحطات في مواجهة اعتداءات الاحتلال في الأقصى التي تستهدف الوصاية الأردنية، كما في هَبَّة باب الرحمة عندما أعلن الديوان الملكي والخارجية الأردنية ووزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية التمسك بباب الرحمة على أنه جزء لايتجزأ من الأقصى، وأن حكمه حكم المسجد من جميع النواحي.
والغالب هو أن الموقف الأردني ضعيف يتراوح بين مطالبة الاحتلال بـ»وقْف ممارساته» في المسجد، وضرورة احترام القانون الدولي، والتخويف من حرب دينية، وإدانة الانتهاكات (الإسرائيلية)، واستدعاء السفير (الإسرائيلي) لديه وتحميله رسائل إلى (حكومته). أما المطالبات الصادرة من نواب أردنيين بإعادة النظر باتفاقية وادي عربة فلاتلقى اهتمامًا من الحكومة الأردنية التي لاتكترث كذلك بمطالبات الشارع الأردني بإنهاء الاتفاقية ووقْف أشكال التطبيع مع الاحتلال.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com