DSC_79022

في أفريقيا كما في العالم العربي.. «الفُلول» تحتضر لكنّها لاتموت..!

أنظمة أنهكت شعوبها استبداداً، فثارت الأخيرة طلباً للانعتاق ولتداول السلطة. سيناريوهات أضحت مألوفة في السنوات الأخيرة سواء في أفريقيا أو في العالم العربي، غير أن انبعاث بقايا الأنظمة المخلوعة – التي تُعرَف عربياً بـ(الفُلول) أو (الأزلام) – إلى الحياة السياسية من جديد، وهي التي خُيِّل للجميع أن أنفاسها أُخمِدت تحت وطأة انتفاضات شعوبها، يؤسس لانقلاب مضادٍّ في المفاهيم، تماماً كما أضحى عليه الحال، مؤخراً، في بوركينا فاسو، ومنذ فترة في كل من مصر واليمن بحسب مراقبين.
ما حدث في كل من مصر واليمن، ويحدث حالياً في بوركينا فاسو، عقب الانقلاب الذي قاده الحرس الرئاسي الموالي للرئيس المستقيل بليز كمباوري، والذي أطاحت به انتفاضة، يستبطن انقلاباً كاملاً للموازين سواء في البلدان الأفريقية أو العربية. فقراءة عابرة لحيثيات المشاهد السياسية في البلدان الثلاثة، كفيلة باختزال ذلك الحنين الطافح لدى البعض إلى الماضي، أو تلك النزعة للاستيلاء بالقوة على الحكم، في سيناريوهات تحولت إلى ما يشبه التقليد وخصوصاً في القارة السمراء. وهو رأي يتفق حوله العديد من المختصين في الشأن السياسي عبر العالم.
وهي مقارنة تستند على منحنيات الأحداث في كل من مصر واليمن وبوركينا فاسو، وكفيلة برصد نقاط التشابه التي تجمع بين البلدان الثلاثة بهذا الخصوص. ففي مصر، تولى مقاليد الحكم في يونيو 2014 عبدالفتاح السيسي رئيس الأركان السابق، والذي عيِّن رئيسا للمخابرات العسكرية من قبل الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي دامت فترة رئاسته ووجوده في السلطة 30 عاماً، وذلك إثر انقلاب السيسي على محمد مرسي، أول رئيس مصري شرعي ينتخَب بطريقة ديمقراطية، ورغم إعلانه بأنه لم يكن يتطلع أبداً إلى الحكم! لكنه فعل ذلك تلبية لما زعمها إرادة الجماهير!
أما في اليمن، فقد وضع حلفاء الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح (33 عاماً في السلطة) حدّاً للمرحلة الانتقالية في البلاد، عبر تشكيل تحالفات مع الحوثيين، بهدف استعادة السلطة.
لعبة العَود على بدء أو عودة (الفُلول) و(الأزلام) إلى السلطة بعد إطاحتها من قبل الشعوب.. سيناريو بتفاصيل لاتختلف كثيراً عن مصر واليمن، تعيشه بوركينا فاسو هذه الأيام، في ظل الانقلاب، الذي أعاد رموز نظام كمباوري قسراً إلى المشهد السياسي في البلاد. ورغم «الوعود» المبطَّنة التي وشَّحت خطاب جيلبير ديانديري رئيس الهيئة الجديدة المسيِّرة لشؤون البلاد بترك السلطة عقب تنظيم انتخابات شاملة، فإنه لا شيء يضمن تفعيل تلك النوايا الطيبة والتي سبق لشخصيات كثيرة غيره قطعتْها عبثاً.
إنها ظاهرة لافتة أضحت تشوب المشاهد السياسية الأفريقية والعربية، يقول عنها صلاح الدين الجورشي المفكر والباحث التونسي في العلوم السياسية، والنائب السابق لرئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، في حديث لوكالة أنباء (الأناضول) التركية «إنّ تشبُّث بقايا الأنظمة القديمة وأنصارها بالحكم يعود بشكل أساسي إلى طول المدّة التي قضوها في السلطة، واحتفاظهم بحلفاء لهم داخل أجهزة الدولة حتى بعد مغادرتها، وهذا ما يتيح لهم تحريك دواليب الدولة كما يحلو لهم».
وبالنسبة للجورشي، فإن الصراعات التي تضع في المواجهة القوى القديمة بالجديدة أو الصاعدة، غالبا ما ترافق أي تغيير سياسي واجتماعي جذري، فـ»في البلدان التي لا تمتلك تقاليد في الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، فإنه من الطبيعي أن تتفجَّر النزاعات فيها بغرض المحافظة على مصالح هذا الطرف ضدّ الآخر».
وفي سياق متصل، قال صامويل نغيمبوك الباحث الكاميروني بمعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية بباريس، «إن انقلاب بقايا الأنظمة المخلوعة على السلطة، غالباً ما يحدث في بلدان لا تمتلك تقاليد في التغيير السياسي السلمي، وخصوصاً أن الحكام فيها تعوَّدوا على الاحتفاظ بالسلطة اعتماداً على جيوشها»، مشيراً إلى أن «جيوش تلك البلدان ماتزال غير مدركة بأن لها دوراً جمهورياً ووطنياً أشمل ينبغي عليها لَعِبُه وخصوصاً فيما يتعلق بالحفاظ على سلامة الحدود، وتواصِل رغم ذلك التدخّل في الشؤون السياسية خلافاً لقواعد الحوكمة الرشيدة».
وفي قراءة استشرافية، اتفق الخبيران على أن أي نظام، ومهما كانت قوته، يستولي على الحكم عن طريق القوة وضد إرادة الشعب، فإن مآله سيكون الفشل. غيمبوك ختم حديثه قائلاً إنّ «أية سلطة تأتي في نهاية انقلاب، محكوم عليها بسرعة الزوال. صحيح أنه يمكن أن تدوم لسنوات أو حتى لعقود، غير أنها ستنتهني حتماً في النهاية بالرضوخ والانحناء لإرادة الشعب».

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com