090

في الذكرى الـ86 لاستشهاده.. البطل الليبي عمر المختار أيقونة نضال خالدة في وجه المحتل

قبل 86 عاماً ترَجَّل عمر المختار بعد 20 عاماً قضاها في قتال المحتل الإيطالي، ليكتب التاريخ العربي والإسلامي اسم البطل الليبي بحروف من نور ويصبح (شيخ الشهداء) أو (فارس الصحراء) مضرب الأمثال في المقاومة والفداء، ونبراساً يهتدي به من ساروا على دربه.
في يوم 16 سبتمبر 1931 تدلى جسد الشيخ الطاعن في السن (73 عاماً) عليل الجسد، من حبل المشنقة بعد عروض مغرية رفضها، ثم محاكمة صورية قضت بإعدامه، لتبقى صورته معلقاً على المشنقة رمزاً للكفاح لأجيال تلت.
ظن المحتل الذي غزا البلاد عام 1911 أن وفاة شيخ المجاهدين ستَفُتُّ عضُد المقاومين، وتقضي على الحركات المناهضة للحكم الإيطالي، لكنها كانت وقوداً جديداً للثورة التي انتهت بانسحاب الطليان من البلاد عام 1943.

نشأته وتعليمه

وُلِد عمر المختار بن عمر محمد فرحات ابريدان في قرية تسمي زاوية جنزور على الساحل الشرقي لليبيا شمال قرية بئر الأشهب (برقة آنذاك) سنة 1862، وينحدر من قبيلة المنفة إحدى أكبر قبائل الشرق الليبي.
عاش عمر المختار يتيماً حيث توفي والده وهو في طريقة لمكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وتولى رعايته شيخ زاوية تلك القرية الشيخ حسين الغرياني، وذلك بوصية من أبيه كما يقول المؤرخون الليبيون. وهنا انطلق نحو تعلُّم القرآن الكريم في تلك الزاوية (مدرسة دينية) فحفظه عن ظهر قلب.
سافر المختار بعد ذلك إلى واحة الجغبوب شرقي ليبيا وكانت وقتها عاصمة للدعوة السنوسية، والتحق بالمعهد الديني هناك لينهل من العلوم الشرعية المتنوعة، فدرس فيه على مدار ثماني سنوات، الفقه والحديث والتفسير واللغة العربية، على يد كبار علماء ومشايخ السنوسية، وفي مقدمتهم الإمام المهدي السنوسى قطب الحركة.

سيدي عمر

تقلد عمر المختار في بداية حياته العديد من المناصب، ففي سنة 1897 أصبح وبتكليف من المهدي السنوسي، شيخاً (بمثابة وال) لبلدة تسمى زاوية القصور، تقع بمنطقة الجبل الأخضر إلى الشرق، وكان فيها منصفاً حكيماً لِما يعلمه من فنون فض النزاعات بين الناس.
وفي تلك الفترة حصل عمر المختار علي لقب (سيدي عمر)، الذي لم يكن يحظى به إلا شيوخ الحركة السنوسية الكبار، وهي دعوة إسلامية أسسها الشيخ العالم المجاهد محمد بن علي السنوسي، وذلك لحكمته ومكانته التي اكتسبها إضافة لعلاقته وقربة من العائلة السنوسية.
وفي مرحلة لاحقة ولسنوات مكث عمر المختار بدولة السودان نائباً عن المهدي السنوسي، الذي قال فيه بإعجاب قولة المعروف «لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم»، وذلك لِما أبداه الرجل من حكمة وفراسة.
وقد أقام المختار في (قرو) غرب السودان مدة من الزمن، ثم عيَّنه السيد المهدي شيخًا لزاوية (عين كلك)، لذا قضى المختار بالسودان وقتًا طويلاً نائبًا عن السيد السنوسي وكان يقوم بتعليم أبناء المسلمين، وينشر الإسلام في هذه البقاع النائية.
وبعد وفاة محمد المهدي السنوسي، ثاني رجال الحركة السنوسية عام 1902، عاد عمر المختار مجدداً إلي برقة بطلب من القيادة السنوسية ليعيَّن مجدداً وللمرة الثانية شيخاً لبلدة زاوية القصور، التي أحسن إدارتها لدرجة أنَ العثمانيين وكانوا يحكمون ليبيا وقتها رحبوا بإدارته للمنطقة التي جلب لها الهدوء والاستقرار .

من القلم إلى البندقية

تحول المختار من واعظ وشيخ وعالم ديني إلى مقاتل لايُشق له غبار، ولم يأت ذلك وليد الغزو الإيطالي لبلاد، فقبلها بسنوات قاتل جيوش الانتداب البريطاني على الحدود المصرية الليبية في مناطق البردية والسلوم ومساعد، وخاض معركة السلوم عام 1908، التي انتهت بوقوع البلدة في أيدي البريطانيين.
كما شارك عمر المختار أيضاً في القتال الذي نشب بين السنوسية والفرنسيين في المناطق الجنوبية من السودان، إضافة لقتال الفرنسيين عندما بدأ استعمارهم لتشاد عام 1900.

بوابة التاريخ

دخل عمر المختار التاريخ من أوسع أبوابه بإعلان إيطاليا عام 1911 الحرب على الدولة العثمانية، ونشبت حرب بين الطرفين علم بها شيخ المجاهدين، وكان عائداً من مدينة الكفرة جنوب شرق ليبيا، ليسارع على الفور إلى زاوية القصور لتجنيد أهلها.
وفي زاوية القصور نجح عمر المختار في جمع 1000 مقاتل، مؤسِّسا أول معسكرات منطقة الخروبة جنوب مدينة المرج القديمة، قبل أن ينتقل إلى الرجمة شرق بنغازي ويلتحق بالجيش العثماني هناك.
مقاومة الطليان
وفي عام 1912 أعلنت روما ليبيا مستعمرة إيطالية، ةمنذ ذلك الوقت قاد أسد الصحراء البالغ من العمر وقتها 53 عاماً المقاومة الليبية ضد المحتل الإيطالي، وطوال هذه الفترة الممتدة 20 عاماً (1912-1931) وحتى إعدامه، لم يغب عمر المختار عن ساحات القتال.
وقد أنزل عمر المختار بالإيطاليين خسائر فادحة، بعد معارك كر وفر تركَّز معظمها على مدينة درنة شمال شرق، منها معركة يوم الجمعة الموافق 16 مايو 1913، ودامت يومين، وانتهت بمقتل 70 جندياً إيطالياً وإصابة نحو 400 آخرين.
كما دارت في 6 أكتوبر من العام نفسه معركة بوشمال في منطقة عين مارة، وفي فبراير 1914 نشبت معارك أم شخنب وشلظيمة والزويتينة، وكان المختار يتنقل خلالها بين جبهات القتال ويقود المعارك.

وترَجَّل الفارس

وفي أكتوبر 1930 تمكن الطليان من الاشتباك مع المجاهدين في معركة كبيرة، عثر الطليان عقب انتهائها على نظّارات عمر المختار كما عثروا على جواده المعروف مجندلاً في ميدان المعركة.
فأيقن المحتل أن المختار مايزال حياً، ووقتها قال القائد الايطالي غراتسياني مقولته المشهورة متوعداً «لقد أخذنا اليوم نظارات المختار وغدًا نأتي برأسه».
وفي 11 سبتمبر 1931 وبحسب رواية المجاهد التواتي عبدالجليل المنفي «كنَا غرب منطقة سلنطة قرب مدينة البيضاء شرقاً، فهاجمنا الأعداء الخيالة وقُتل حصان سيدي عمر المختار فقدَم له ابن أخيه المجاهد حمد محمد المختار حصانه».
وتابع المجاهد الشاهد علي الواقعة «وعندما همَّ بركوب الحصان قُتل أيضًا وهجم الأعداء عليه ورآه أحد المجندين العرب وهو مجاهد سابق له دوره ذُهل واختلط عليه الأمر وعزَّ عليه أن يُقبض على عمر المختار فقال (يا سيدي عمر يا سيدي عمر!) فعرفه الأعداء وقبضوا عليه وردَّ عمر المختار على المجند العربي الذي ذكر اسمه واسمه عبدالله بقوله: (عطك الشر وابليك بالزر)».
بعدها بثلاثة أيام وفي 14 سبتمبر وصل غراتسياني الذي لم يصدق نفسه إلى بنغازي، وأعلن على عجل انعقاد المحكمة الخاصة في 15 سبتمبر 1931 وفي الساعة الخامسة مساء اليوم المحدد لمحاكمة عمر المختار الصُّوَرية شكلاً وموضوعاً مكان برلمان برقة القديم، لتقضي بالحكم على البطل بالإعدام شنقاً.
في صباح اليوم التالي للمحاكمة أي في 16 سبتمبر 1931 اتُخذت جميع التدابير اللازمة بمركز سلوق جنوب بنغازي لتنفيذ الحكم بإحضار جميع أقسام الجيش والميليشيا والطيران و20 ألفاً من الأهالي وجميع المعتقلين السياسيين الليبيين خصيصًا من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم.
وأُحضِر المُختار مكبل الأيادي، وفي تمام الساعة التاسعة صباحًا، سار إلى منصة الإعدام وهو ينطق الشهادتين، وصعد إلى حبل المشنقة لايهاب موتاً ولايستجدي أحداً، ومضى إلى جوار ربه شهيداً.

أقوال خالدة

ومن أقوال شيخ الشهداء عمر المختار المشهورة والتي تنتشر اليوم في ليبيا ويحفظها أهلها عن ظهر قلب قوله لقادة الاحتلال الإيطالي حينما طالبوه بالاستسلام والكف عن مقاومتهم «نحن لن نستسلم ننتصر أو نموت».
ويقول «سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فإن حياتي ستكون أطول من حياةِ شانقي». قالها المختار وهو في سجنه لدى الإيطاليين.
وقال أيضا «إن الظلم يجعل من المظلوم بطلاً، وأما الجريمة فلابد من أن يرتجف قلب صاحبها مهما حاول التظاهر بالكبرياء».
ومن أقواله كذلك «يمكنهم هزيمتنا إذا نجحوا باختراق معنوياتنا»، و»إنني أؤمن بحقي في الحرية وحق بلادي في الحياة، وهذا الإيمان اقوى من كل سلاح».
أما نهاية ما قال فهو «الحكم حكم الله لا حكمكم المُزيَّف، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون». ةقالها مبتسماً عند سماعه الحكم عليه بالإعدام.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com