Qaitbay's_Citadel_2

كتاب: آخر الأتراك في ظل نبينا: أو «الدفاع عن المدينة»

| عرض ودراسة: يحيى بشير حاج يحيى | تأليف: فريدون قاندمير | ترجمة: أديب عبدالمنان

يتحدث هذا الكتاب عن السنوات الأخيرة في حياة الخلافة العثمانية، ويركز على فترة الحرب العالمية الأولى، والكتاب غني بالوثائق التاريخية، أما مؤلفه فهو الصحفي التركي فريدون قاندمير أحد أفراد هيئة الهلال الأحمر، وآخر المنسحبين من المدينة المنورة بعد قبول القائد فخري باشا الخروج منها، وتظهر الحاجة إلى مثل هذا الكتاب في هذا الوقت للكشف عن كثير مما يعرض في كتب التاريخ الموجهّة، وفي المسلسلات التلفزيونية التي تعكس جانباً واحداً من العلاقة بين العرب والأتراك من زاوية نظر معينة، وتُقتطَع من الأحداث ما يخدم خلفيات فكرية مغرضة، وأطراً تاريخية جاهزة!

الهجمات الاستعمارية

إن المتتبع للكتابة التاريخية المعاصرة التي تعالج هذه الفترة، والمسلسلات التاريخية في عدد من وسائل الإعلام يجدها تركز على بعض الأمور التي لايكاد يخلو منها تاريخ أمة، ووقائع دولة، حيث يتم التركيز على السنوات الأخيرة من حياة الخلافة العثمانية، متناسية سيطرة جمعية (الاتحاد والترقي) وتوجيهها للأحداث بدءاً من عام 1908، فهي تختصر تاريخ هذه الفترة اختصاراً مخلاً! فالتشكيل والوقائع والانتصارات والنقط المضيئة والفتوحات، والوقوف في وجه الهجمات الاستعمارية التي كانت امتداداً للحروب الصليبية يتسم الحديث عنه بوصفه بحكم السلاطين والنظام العسكري والهيمنة، والتقوقع الذي حرم الشعوب المنضوية تحت ظل الخلافة من الانفتاح على العالم، والمشاركة في النهضة التي بدأت أوروبا تشهدها، مع تناسي وتجاهل حجم التآمر الغربي والشرقي على العالم الإسلامي آنذاك، والجهود العملاقة التي بذلها كثير من هؤلاء السلاطين في الحفاظ على بلاد المسلمين، ورد الطامعين عن ديارهم!
وفي المقابل نجد إصراراً على إبراز دور جمال باشا وأنور باشا وكمال أتاتورك وجمعية الاتحاد والترقي، والنزعة الطورانية، وكأنه يمثل تاريخ الدولة العثمانية بأسره كما في عدد من المسلسلات مثل (أخوة التراب، تراب الغرباء، الشوكة السوداء!) في صورة تفتقر إلى الواقعية والصدق والموضوعية، فهي تشارك عن وعي منها، أو عن غير وعي، الدوائرَ الاستعمارية التي زيَّفت تاريخ هذه الفترة، وجهدت على إبراز العلاقة بين العرب والترك وغيرهم من الشعوب الإسلامية على أنها علاقة استيلاء واستعلاء واستلاب، وفي حرص شديد على تمزيق جميع أنواع الروابط والوشائج المعنوية والمادية، وتشويه الصورة الحقيقية، ونشر ما يضادها ويخالفها!
وقد فضح الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين رحمه الله هذا التوجه، في بيانه الذي ألقي أمام اللجنة البريطانية الموفدة إلى فلسطين في 12 يناير 1937 فقال: «لقد كان العرب يؤلفون جزءاً مهماً من كيان الدولة العثمانية، ومن الخطأ أن يقال: إن العرب كانوا تحت نير عبودية الأتراك، وإن نهضتهم ومساعدة الحلفاء لهم في الحرب العامة إنما كانت ترمي إلى تحريرهم من ذلك النير! فقد كانوا يتمتعون في كيان الدولة العثمانية بجميع أنواع الحقوق التي كان يتمتع بها الأتراك سياسية كانت أو غير سياسية، وذلك بحكم الدستور الذي وضع أساس حكم واحد لجميع البلاد والعناصر التي كان يتألف منها كيان الدولة العثمانية، وكان العرب يشاطرون الأتراك جميع مناصب الدولة العثمانية المدنية والعسكرية، فكان منهم وزراء ورؤساء وزارات وقواد فيالق وفرق، وسفراء وولاة ومتصرفون، كما كان في مجلس النواب والأعيان العثماني عدد كبير من الأعضاء العرب بنسبة أعدادهم وفقاً للدستور وقانون الانتخاب العثماني، وفوق ذلك كانت البلاد العربية تدار بحكم يستند على مجالس إدارية، ومجالس عمومية في الأقضية والألوية والولايات، وكانت لهذه المجالس صلاحيات واسعة في الإدارة والمالية والتعليم والعمران».

المدينة المنورة

وعن طبيعة العلاقات رغم ما أثير من فتن، ومن شحن للنفوس، ينقل المؤلف هذه الصورة بعد دخول القوات الهاشمية إلى المدينة وبعد الاتفاق على إخلائها وبقاء هيئة الهلال الأحمر التي ترعى الجرحى والمرضى، يقول المؤلف: قدِم وفد مؤلف من ثلاثة أشخاص ليزوروا المستشفى، وبعد شرب القهوة قال أحدهم: يلزم ألا يبخل الهلال الأحمر التركي بشفقته وعونه علينا، وبما أننا كلنا مسلمون فلا فرق بيننا.
ومن الصور التي ينقلها المؤلف صورة للجنود الجرحى الذين بقوا في المدينة وهم يزورون المسجد النبوي: لقد استُقبِلوا من قِبل أهالي المدينة حتى من البدو، بمودة وترحاب وأخوة نادرة، وبعد صلاة الجمعة أصروا عليهم أن يتناولوا طعام الغداء معهم، وعند رجوعهم إلى المستشفى كان يحيط بهم جمْع غفير من الأهالي يودون البقاء معهم.
يقول المؤلف: قال لي الأمير عبدالله الذي شاهد هذا المنظر عندما لقيته في الغد: أيها السيد! إن الإسلام رابطة قوية، إن مثل هذه الرابطة لايستطيع أحد أن يقطعها، ولابد لنا أن نعرف قيمة هذه الرابطة مع الأتراك، وسوف نعرفها.
ويعلق المؤلف: كان بودي أن أقول للأمير: ليس هناك أحد كالأتراك عرف قيمة هذه العلاقات وأراق دمه في سبيلها.
وينقل عن أحد المجاورين في المدينة من أصل جزائري: يا أولادي.. إن الأتراك من أكثر الأمم التي خدمت الإسلام، وإنكم نماذج إنسانية إسلامية أتيتم من إستانبول من أجل غاية شريفة.
وعند الاستعداد للرحيل من المدينة، بعد محادثات مع القيادة العربية كان بين الجنود جنود من أصل عربي، فهذا شامي وهذا مقدسي وهذا من حيفا ومن بيروت، وعندما سمعوا بكلمة الأسر رفضوا ذلك كما رفض زملاؤهم الأتراك، وأخيراً استطعنا أن نقنعهم بواسطة بعض الضباط العرب للرضوخ للأمر الواقع.
وبينما كان الجنود يودعون زملاءهم الشهداء في مقابر المدينة كان أهل المدينة الذين عرفوا أنهم سيغادرون يُظهِرون لهم التقرب والمودة ولايعرفون كيف يحتضنونهم ويعانقونهم.
وحين جاء ياسين باشا ممثلاً للقيادة العامة يقول المؤلف: كنا نتحدث كأصدقاء أو حسب تعبيره كالإخوة، وكان يقول: إن العرب والترك بحسب خلقتهم شعوب يفترق بعضها عن بعض، وليس على وجه الدنيا أمتان مرتبطتان مع بعضهما مثلهما.
وهذه حقيقة تاريخية وهي أن الأتراك هم الذين قبلوا الإسلام الذي ظهر في جزيرة العرب أولاً، ونشروه إلى الجهات الأربع، وجاهدوا في سبيل ذلك، وهم يريقون دماءهم. فكروا في قول النبي وهو يبشر بفتح القسطنطينية ولقد وُفِّق الأتراك لهذا، وأسسوا إستانبول وجعلوها دياراً إسلامية، وهم الذين نشروا السكينة في الجزيرة وحرسوها، وجعلوا العرب تاجاً فوق رؤوسهم. ونحن العرب لاننسى هذه الحقيقة التاريخية.

الشعب السوري

يتحدث المؤلف عن العلاقات مع السوريين على المستوى الشعبي، وكيف أن المخاوف قد تبددت، فحين دعاهم الملك فيصل إلى حفل فني لم يفكروا بشيء سوى السلامة. دخلنا ونحن خائفون، وبينما نحن نبحث عن مكان جلوسنا، ارتفعت صيحة عالية من القاعة المليئة بالمدعوين: الأتراك! الأتراك! الإخوة الأتراك، فركز جميع مَن في القاعة عيونهم، وأخذوا يصيحون: فليعش الإخوة الأتراك، وقامت عاصفة من التصفيق والترحيب فأصبحنا لاندري كيف نستقبلها! وكيف نتصرف! وامتدت الأيدي لمصافحتنا. لقد كانت الصداقة العربية التركية تأخذ طريقها، وكأنها لقاء بين الأحبة بعد أشواق السنين وحسراتها. وحين دخل الملك فيصل أخذ الحاضرون يهتفون «فلتعش الأخوة العربية التركية».
لم نكن نفكر بأننا سنقابَل بمثل هذه الحفاوة، وعند الخروج كان الجمع أكبر والميدان يرن بأصوات «يعيش» وقُبَل وعناق وهتافات.
ويتساءل المؤلف: ما الذي حمل الدمشقيين أو على الأصح العرب على ذلك، لقد كشف السوريون ألاعيب الإنكليز كما كشفها عرب الجزيرة وأخذوا يعانقوننا قائلين: «يا إخواننا الأتراك» وهم يلعنون الإنكليز ويسبونهم، ولايعرفون ماذا يقولون ليأخذوا ثأرهم منهم. وهكذا يتغيّر المواطن السوري وهو لايعرف كيف يكرم أول من يقابلهم من الأتراك. عدد الذين يأتون لزيارتنا كبير، الناس يدعوننا لتناول القهوة، وفي الدكاكين يقدمون لنا الهدايا ويرفضون أخذ ثمنها! الصحف تكتب عن وصولنا وترحب بنا. الناس يتناشدون قصائد محمد عاكف، ويهتزون لمعانيها الإسلامية.
ثم يضيف: كان من المقرر أن نسافر عن طريق حلب إلى أضَنَة لنصل في يوم واحد، ففوجئنا بالسفر عن طريق البحر الذي يطول أياماً! ثم عرفنا أن الإنكليز وراء هذا التغيير المفاجىء، لقد فكروا في احتمال أن يُظهِر أهالي حلب وحماة وحمص مودتهم لنا فيتظاهروا ضدهم كما حدث في دمشق، فاختاروا طريق البحر، وكأنهم يهربوننا.
ويختتم المؤلف هذه المشاهد بقوله: إن جميع هذه الحركات كانت بسبب السياسة التي تشحذ السكين لذبح الإسلام وبدسائس الجاسوس لورنس العرب.

• عضو رابطة أدباء الشام

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com