20180401_2_29579814_32290947

ليالي غزة.. ضوء القمر فاصل بين الحرب وضجيج الحياة

ليل الحدود الشرقية لقطاع غزة، يختلف عن نهارها؛ فقبل مغيب الشمس تزدحم في سماء المنطقة أعمدة دخان الإطارات المشتعلة، الممتزجة مع سحب الغاز المسيل للدموع، لترسم مشهداً رمادياً موحشاً، يتداخل فيه وميض كرات نيران الزجاجات الحارقة (المولوتوف) المتطايرة، ورشقات الحجارة، مع أصوات التكبيرات، وأزيز الرصاص وصافرات سيارات الإسعاف.
ذلك المشهد السابق يتلاشى تماماً مع حلول الليل وبزوغ القمر، حيث تتحول المنطقة إلى مكان للاستمتاع بالأغاني والرقصات والمعزوفات الشعبية وجلسات السمر الهادئة.
ويعتصم منذ يوم الجمعة الموافق 30 مارس 2018 المئات من الفلسطينيين في مخيمات أقاموها على الحدود بين غزة والكيان الصهيوني، في إطار إحياء ذكرى (يوم الأرض) التي توافق 30 مارس من كل عام، واحتجاجاً على الحصار الصهيوني للقطاع.
وعلى الأطراف الشرقية للمخيم، كانت ساحة حرب حقيقية فالعشرات من الشبان الموشَّحين بالكوفيات الفلسطينية خرجوا في مجموعات باتجاه السياج الفاصل وهم يحملون الأعلام ويرشقون القوات (الإسرائيلية) المتحصنة خلف السياج بالحجارة.
وبالتزامن مع هتاف «الله أكبر»، يعود الشبان لجمع الحجارة ورشق الجنود المتحصنين خلف سواتر رملية عالية بها، فيرد هؤلاء بتكثيف إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع، والرصاص الحي والمعدني المغلَّف بالمطاط.
ويبدو أن مَن يصاب بالاختناق يكون محظوظا، فالعديد من زملائه يقعون ضحايا قناصة (الجيش) الصهيوني، الذين يطلقون عليهم الرصاص الحي، وهو ما يتطلب نقلهم إلى المشافي بواسطة سيارات الإسعاف.
وبعد أن غابت أشعة الشمس، تبدأ فقرات احتجاجية ليلية مختلفة تماماً عما وقع تحت ضوء النهار.
وبداية تلك الفقرات، كانت بتوَجُّه مجموعة من الأطفال إلى ملعب كرة القدم فهناك تقام مباريات حماسية يستمتع المحتجون بمشاهدتها، وليس بعيداً عن الملعب أشعل بعض الشبان النار.
وبعد تناول وجبة العشاء البسيطة في حلقات دافئة، ضمت أسراً كاملة وأقارب وأصدقاء وزملاء المواجهات، تفرق المحتجون فأشعل بعضهم النار أمام الخيام، ووضعوا عليها أباريق القهوة العربية والشاي وتجمعوا حولها لتبدأ جلسة سمر ليلية تستمر حتى الصباح، يتحدث فيها الشبان عن أحلامهم وطموحاتهم ومغامراتهم في ساحة المواجهة.
وفي مشهد آخر، يلتقي كبار السن في خيمة كبيرة يعزف فيها أحدهم على الربابة (آلة موسيقية قديمة من وتر واحد)، ويغني ثان أبيات شعر من قصائد شعبية فلسطينية قديمة، قد لاتكون مألوفة ومفهومة لصغار السن.
وفي لحظات هدوء، بين تلك الفقرات الفنية التي ينسجم فيها الجميع ويُمنع خلالها الكلام، استرققت حديثاً مع أحد كبار السن واسمه ضيف الله عبدالله أبوسيف، وسألته فيه عن سر هذا الاحتجاج الذي لاتنطفىء نيرانه، ليقول: «الجميع هنا يتجرع الظلم يومياً. فلماذا نغادر؟. سنواصل احتجاجنا حتى يُرفع الظلم والحصار عن غزة. لايوجد ما نفقده، فالاحتلال دمَّر منازلنا في الحرب الأخيرة وقتل أطفالنا وزوجاتنا وبناتنا وأحرق مزارعنا».
ولم يكد المسن الفلسطيني ينهي حديثه، حتى عادت الربابة لتعزف بصوتها الذي يذكِّر بـ(أيام البلاد) كما يقول بعض مَن عاش في قرى وبلدات فلسطين التاريخية قبل عام 1948.
وإلى جانب تلك الخيمة، التي وُضِع على مدخلها موقد كبير لإعداد القهوة والشاي الداكن، تجَمَّع عدد من الشبان وبدأوا بـ(الدبكة) على أنغام موسيقى خاصة، فيما رأى آخرون في (الدِحِّيَّة) وهو فن بدوي غنائي طقساً أكثر شغفاً لقضاء الليل.
وبعيدا عن الدبكة والدِحِّيَّة والقهوة المرة، كان للنساء شأن آخر، فبعضهن فضلن الاعتناء بالمصابين الذين أصرَّوا على العودة للمخيم بعد تلقِّيهم العلاج، وأخريات جلسن يتبادلن أطراف أحاديثهن المعتادة عن الأطفال والدراسة.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com