20190929_70069

ما وراء استهداف «فيسبوك» الصفحات الفلسطينية وكيف يمكن التّصدِّي للهجمة؟

لم يكن متوقّعًا لموقع (فيسبوك) الألكتروني عند ولادته في فبراير 2004 كموقع مجاني للتواصل الاجتماعي أنّه سيتحول بعد أعوام قليلة إلى غرفة أخبار ضخمة يعمل فيها الملايين من المستخدمين حول العالم. وفي فلسطين المحتلة، بات الموقع الأزرق منصَّة مهمة لنقل الرواية الفلسطينية إلى العالم، وتسليط الضوء على حجم الجرائم (الإسرائيلية) التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني يوميًا بحق الفلسطينيين، من هدم المنازل وتشريد العائلات، والقتل بدم بارد على الحواجز وفي الطرقات، واعتقال الأطفال وترويعهم، وسلسلة طويلة من الاعتداءات التي يوثقها شهود العيان على موقع (فيسبوك) لحظة ارتكابها من قبل قوات الاحتلال.
ونظرًا إلى أن (فيسبوك) بات منصة مهمة لنقل الأخبار فإن المزيد من المستخدمين يعتمدون على الموقع لمتابعة الأخبار. وفي التقرير السنوي لمعهد (رويترز) لدراسة الصحافة الصادر عام 2016 ورد أن أكثر من نصف مستخدمي الإنترنت يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار، وقد تصدَّر موقع (فيسبوك) القائمة حيث يعتمده 44% من مستخدمي الإنترنت، مقابل 19% يفضِّلون (يوتيوب)، و10% يعتمدون (تويتر).
وحسب تقرير موقع مدينة القدس، الذي أعدته الباحثة والكاتبة براءة درزي، تتكرر الحالات التي يُغلِق فيها موقع (فيسبوك) صفحات فلسطينية، أو يحظُر حسابات تعود لصحفيين وناشطين فلسطينيين، علاوة على تقييد قدرة عدد من المستخدمين على البثِّ الحي، أو حظْر إظهار بعض المنشورات. وفي حين لاتبيّن إدارة (فيسبوك) سبب مثل هذه الإجراءات في كل الحالات فهي تتذرَّع في بعض الحالات بمخالفة المستخدم معايير المجتمع.
ففي فبراير 2015، أغلق (فيسبوك) صفحة وكالة (شهاب) للأنباء التي تعمل من غزّة، وفي سبتمبر 2016 حظَر حسابات أربعة محررين يعملون في وكالة (شهاب) التي يتجاوز عدد المعجبين على صفحتها 6 ملايين شخص. وحظر الموقع كذلك مواقع ثلاثة إداريين في شبكة (قدس) الإخبارية التي يتجاوز عدد المعجبين على صفحتها 5 ملايين شخص. وتمكّن المحظورون من استعادة حساباتهم، باستثناء شخص واحد منهم، بعدما أقر (فيسبوك) بوجود خطأ في الحظْر.
وفي مارس 2018، أغلق موقع (فيسبوك) الصفحة الرسمية لوكالة الصحافة الفلسطينية (صفا) والتي لديها حوالي 1.3 مليون متابع، وفي مايو 2019 أغلق صفحة مؤسسة (القدس الدولية)، والأمر ذاته واجهته في فبراير 2018 صفحة لعائلة الشهيد أحمد جرار التي أغلقها (فيسبوك) بدعوى مخالفة قواعد النشر.
وتطول قائمة انتهاكات (فيسبوك) بحق المحتوى الفلسطيني، ولايتّسع المقام لذكرها، وهي موثّقة على موقع (صدى سوشيال) ضمن التقارير الشهرية التي يصدرها المركز، وقد بلغ مجموع الانتهاكات 500 عام 2018، من بينها 370 انتهاكًا من قبل موقع (فيسبوك).

خدمة الاحتلال

وتختلط المصالح التجارية مع الاتجاهات السياسية في الشركات متعدّدة الجنسية، ومنها شركة (فيسبوك). ويؤثّر إنشاء مكاتب إقليمية لهذه الشركات في المنطقة في السياسة التي تتبعها، ففي عام 2013 بات لـ(فيسبوك) مكتب في (دولة) الاحتلال. ووفق تقرير صادر عن منظمة الفكر (إمباكت) الدولية لسياسات حقوق الإنسان في 19/9/2019، تضطر شركة (فيسبوك) إلى «الالتزام بسياسات تفرضها حكومات في الشرق الأوسط عليها مقابل السماح لهما بتقديم خدماتهما داخل حدود بلدانها.
وفي سبتمبر 2016 جرى لقاء بين كل من الموسومة (وزيرة القضاء الإسرائيلية) المدعوة آيليت شاكيد والموسوم (وزير) الأمن الداخلي (الإسرائيلي) المدعو جلعاد إردان من جهة، ووفد من (فيسبوك)، وجرى الاتفاق على (التعاون) على مواجهة المحتوى الذي يحرّض على (الإرهاب)، وفق مسؤول (إسرائيلي). وكشفت شاكيد حينها أنّ (إسرائيل) قدمت على مدى الأشهر الأربعة السابقة، 158 طلبًا بخصوص محتوى منشور على (فيسبوك)، واستجابت الشركة لـ95% من الطلبات.

مؤسسة القدس

في 20/5/2019 استيقظ فريق عمل صفحة مؤسسة (القدس الدولية) على موقع (فيسبوك) على حذف الصفحة من قبل إدارة الموقع. ووفقًا لتامر عودة مدير الإعلام في المؤسسة، فإنّ صفحة المؤسسة كانت أكبر صفحة مهتمة بالشأن المقدسي، وقد تجاوز عدد متابعيها مليون شخص من مختلف أنحاء العالم، وكانت تشهد تفاعلاً مع مختلف المنشوارت التي تظهر على الصفحة حول واقع المدينة المحتلّة والمقدسيين والمقدسات الإسلامية والمسيحية.
ولم يقتصر الأمر على حذف صفحة الموقع، بل إن (فيسبوك) عطَّل كذلك صفحات أخرى أنشأها المشرفون، منها صفحة (ثقافتي مقدسية)، علاوة على إغلاق حسابَي اثنين من المشرفين على صفحة المؤسسة
ويستدرك عودة فيشير إلى أن (فيسبوك) كان قد استبق إغلاق الصفحة بتقييد وصول منشوراتها بداية من عام 2018، لاسيما بعد قرار ترمب الاعتراف بالقدس (عاصمة لإسرائيل). وكانت المؤسسة قد نشرت عقب القرار مجموعة من الإصدارات الإعلامية حول القرار والحق العربي والإسلامي بالمدينة، لكن حجم الوصول إلى المتابعين انخفض بشكل كبير ولافت مقارنة بما كان عليه مع نهاية عام 2017.
في 20/3/2018، قالت المدعوة آيليت شاكيد في لقاء لها مع مسؤول في (فيسبوك) إنّ «المجموعات (الإرهابية) باتت تستخدم (تويتر) بدلاً من (فيسبوك) للترويج لنشاطها، والسبب هو التعاون (المثمر) بين (إسرائيل) و(فيسبوك) مقارنة بالتعاون المفقود مع (تويتر)».
خلاصة
وقد وجدت الرواية الفلسطينية طريقها إلى الموقع الأزرق لنقل الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين من دون مقصّ الرقيب، لحظة بلحظة، ومن كلّ مكان في فلسطين المحتلّة.
لكن كما وقعت وسائل الإعلام التقليدية في فخِّ التسييس، ولم تنجُ من التدخلات السياسية في رسم توجُّهاتها أو تحديد المسموح والممنوع من المصطلحات وغير ذلك، لم يسلم موقع (فيسبوك) وغيره من وسائل التّواصل الحديث، من السياسة وتأثيراتها، واستخدامه من قبل أفرقاء سياسيين لخدمة مصالحهم، كما ظهر على سبيل المثال في ما عرف بـ(فضيحة كامبردج أناليتيكا). ولعل الهجمة على المحتوى الفلسطيني هي من نتاج التدخل السياسي لضبط استخدام موقع (فيسبوك) وتورّط الموقع في التساوق مع المصالح السياسية للقوى المؤثرة، أو الاستجابة لمطالب الدول التي تستضيف مكاتب إقليمية للموقع.
وما لايمكن إنكاره هو أن موقع (فيسبوك) موقع مؤثّر، ويمكن الاستفادة منه في تقديم الرواية الفلسطينية وترويجها والوصول بها إلى شرائح واسعة، وإظهار الجرائم (الإسرائيلية) على أوسع نطاق، مع الاستفادة في الوقت ذاته من النشر في منصّات أخرى، والضغط على (فيسبوك) لوقف استهداف المحتوى الفلسطيني بكل ما يمكن من وسائل.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com