capture_1

مسجد بابري.. وسوابق تاريخية في انتزاع مساجد المسلمين بالهند

في سوق لاندا المزدحم بمدينة لاهور التاريخية بباكستان، يقع مبنى أبيض من طابقين ذو قبة صغيرة، يرفرف بجانبه علم ديني لطائفة (السيخ).
في ذلك المبنى الذي لايكاد يزوره أحد، يدأب كاهن من السيخ يومياً على إخراج نسخة من كتاب (مقدس) عند السيخ يُعرَف بـ(جورو جرانث صاحب) ويقرأ منه، قبل إعادته إلى غرفة خاصة.
تاريخ المبنى المعروف باسم شهيد جانج جوردوارا (أو معبد السيخ) يشبه إلى حد بعيد النزاع بشأن مسجد بابري، الذي يقع في مدينة أيوديا بولاية أوتار براديش شمالي الهند. وقد جرى هدم ذلك المسجد على يد حشود هندوسية متطرفة في 6 ديسمبر 1992، وأقاموا معبدًا هندوسيا مؤقتا على أنقاضه.
وبينما أشارت المحكمة العليا الهندية إلى أنها ستُنهِي أقدم نزاع قضائي بين المسلمين والهندوس في العالم، بحلول نوفمبر المقبل؛ لتحديد ما إذا كان موقع مسجد بابري ينتمي إلى الهندوس أم المسلمين، فإن الخبراء القانونيين الذين يمثلون الأطراف المسلمة يستشهدون بقضية (شهيد جانج جوردوارا) سعياً لاستعادة المسجد لإقامة الصلوات به مرة أخرى.
الصبغة السياسية
وقد أثر النزاع حول مسجد بابري الذي بدأ عام 1853، حين زعم الهندوس لأول مرة أن الموقع مملوك لهم، على حياة ملايين الأشخاص نتيجة تفَجُّر أعمال عنف واسعة.
ويدعو الهندوس إلى بناء معبد في المكان بدعوى أن الملك راما الذين يتوهمون أنه (إله) قد ولد فيه، منذ آلاف السنين.
وقد بنى المسجد القائد العسكري للإمبراطور المغولي بابور مير باقي في عام 1528.
وتشير السجلات الأولى للمحاكم إلى أنه في عام 1885 رفض قاض بريطاني في محكمة فايز آباد التماساً هندوسياً باعتباره معبداً لهم.
ووصلت القضية مرة أخرى إلى المحكمة عام 1949، لكن هذه المرة من قبل المسلمين الذين دافعوا عن إزالة تمثال للملك راما، حيث قام بعض الهندوس بتوسيع الجدار المحيط بالمبنى في جوف الليل ووضعوا التمثال داخل حرم المسجد.
ولاحقا أصبحت هذه القضية محل نزاع طغت عليه الصبغة السياسية. فإلى جانب إنهاء الوضع الخاص لجامو وكشمير، جعل حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند، بناء معبد رام الكبير في موقع مسجد بابري قضية انتخابية منذ عام 1985.
وفي أوائل تسعينيات القرن الماضي أطلق الحزب حركة أخذ نشاطها يتطور وبلغ ذروته بهدم المسجد.
وأشارت هيئة المحكمة الدستورية في محكمة أبيكس إلى أنها ستستكمل جلسة الاستماع حول القضية بحلول 18 أكتوبر وستصدر حكماً بشأن ذلك بحلول يوم 17 نوفمبر 2019.
شهيد جانج
ومبنى (شهيد جانج) الواقع في لاهور بباكستان شيَّده عبدالله خان في عهد الإمبراطور المغولي شاه جاهان عام 1653، وظل مسجدًا حتى عام 1799، حين استولى جيش السيخ بقيادة مهراجا رانجيت سينغ على المدينة.
ويقول المؤرخ أ. ج. نوراني، إن «وحدة من جيش السيخ اقتحمت المسجد في ذلك الوقت وحوَّلته إلى معبد للسيخ».
وفي عام 1849 عندما سيطر البريطانيون على لاهور بانتصارهم على إمبراطورية السيخ، طالب المسلمون باستعادة المسجد. وبعد عام من ذلك، طرق إمام المسجد نور أحمد، أبواب المحكمة، مطالباً باستعادة المسجد الذي تم تحويله بالقوة إلى معبد للسيخ.
وقد نجح في إقناع القضاة من خلال تقديم وثائق تفيد بأن الموقع كان في الأصل مسجدًا قبل عام 1799، وكانت هناك صلوات منتظمة تقام فيه، حتى تم حظْر دخول المسلمين إليه من قبل جيش السيخ.
لكن المحكمة استنادًا إلى قانون التقادم، رفضت الطلب وتساءلت عن سبب التأخر لمدة 51 عاماً للمطالبة بالمسجد.
وفي 25 يونيو 1855 قدم نور أحمد دعوى أخرى ضد السيخ، وتم رفضها أيضًا، ووصلت القضية إلى القضاء الأعلى الذي أيد أمر قاضي لاهور.
ورفض مجلس الملكة الخاص، ومقره لندن، وهي أعلى محكمة استئناف خلال الحقبة البريطانية في القضية، مطالبة المسلمين باستعادة المسجد في 2 مايو 1940.
وينص قانون التقادم الذي وضعه البريطانيون ثم اعتمدته الهند عام 1963، على فترة أقصاها 12إلى 30 عامًا للمطالبة بالممتلكات.
وفي عام 1935 اقترح حاكم البنجاب البريطاني ويدعى هربرت إيمرسون، أن يتم تسليم الموقع إلى قسم الآثار ليتم إعلانه كموقع محمي كوسيلة لتسوية المنازعات.
وعندما كانت القضية قيد المناقشة،قام حشد من السيخ في جوف الليل بهدم الهيكل وأزالوا آثار مسجد.
صندوق باندورا
ويوثق نوراني أنه عندما انطلق حشد من المسلمين من مسجد بادشاهي التاريخي في لاهور للوصول إلى شهيد جانج، أطلقت الشرطة النار على الحشد، وقُتِل الكثير من المسلمين وفُرِض حظر التجول في المدينة ومناطق شاسعة من البنجاب.
وفي عام 1925 صدر قانون بإدراج شهيد جانج جوردوارا كمزار للسيخ.
ويقول نوراني: «في عام 1936 عندما تولى الحزب الوحدوي بالتحالف مع الرابطة الإسلامية السلطة في البنجاب، قدم أعضاء الجمعية التشريعية قرارًا بإلغاء حكم المحكمة؛ لتسهيل تسليم الموقع للمسلمين. ولكن مؤسس باكستان محمد علي جناح تدخَّل وقال للقادة المسلمين إن ذلك الأمر سيفتح صندوق باندورا (صندوق الشرور في الأساطير الإغريقية) في جميع أنحاء الهند».
ورجَّح الصحفي والباحث المحلي أكشاي موكول أن التقاضي بشأن (شهيد جانج) كان يشبه إلى حد كبير الدعوى التي جرى التنازع عليها بشأن مسجد بابري.
وبعد سبع سنوات من حكم مجلس الملكة الخاص، تم تقسيم الهند، مما أدى إلى إنشاء جمهورية باكستان الإسلامية.
لكن (شهيد جانج) مايزال يقف في نفس الموقع ويستضيف زواراً من السيخ القادمين من الهند ودول أخرى.
وفي مطلع يناير الماضي قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إن أي قرار حول الخلاف بين المسلمين والهندوس بشأن أرض مسجد بابري شمالي البلاد، سيجري تقييمه عقب صدور حكم القضاء.
ويدَّعي الهندوس المتطرفون أن المسلمين هدموا في القرن السادس عشر معبدًا للملك (راما) في ولاية أوتار براداش شمالي الهند، وبنوا مكانه مسجد بابري.
ويطالب المسلمون ببناء مسجد جديد مكان مسجد بابري الذي يعود تاريخه إلى عام 1526، في حين يدعو الهندوس إلى بناء معبد في المكان بدعوى أن الملك راما الذين يعدونه (إلها) قد ولد فيه.
ويستمر الخلاف بين الطرفين في القضاء منذ نحو 70 عاماً دون الوصول إلى قرار بهذا الخصوص.
هذا ويشار إلى أن المسلمين يشكلون أكبر أقلية في الهند، ويمثلون نحو 14 بالمائة من التعداد السكاني للبلاد البالغ 1.5 مليار نسمة.

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com