20191104_2_39137265_49133180

نساء ساحة التحرير ببغداد.. انتفاضة داخل ثورة في العراق

في ساحة التحرير ببغداد معقل المحتجين في العراق، لم ينكسر حاجز الخوف لدى الشبان فحسب، وإنما تقود النساء أيضا انتفاضتهن الخاصة داخل الحراك وضمنه.
وتدريجياً بدأت مشاركتهن تتزايد في ساحات الاحتجاج وأمام المدارس وداخل الجامعات وفي الشوارع، ويقفن في خطوط المواجهة مع قوات الأمن، أو يقدمن المساعدات الطبية أو الخدمية في الخطوط الخلفية، في مشاهد غير مألوفة إلى حد كبير في العراق.
ففي ذلك المكان يبدو جلياً لأي زائر أن النساء أيضاً بدأن يحصلن على موطئ قدم لهن في الاحتجاجات، على أمل أن يحققن أهدافهن الخاصة إلى جانب المطالب العامة.
وبينما يهتف الجميع ضد النخبة السياسية الحاكمة ويطالبون برحيلها لبناء نظام جديد بعيد عن المحاصصة وسطوة الأحزاب التقليدية، تتطلع النساء إلى أبعد من ذلك، عبر سعيهن للانتفاض على القيود القبلية التي تعيق حريتهن إلى حد كبير في بلد ماتزال تلعب فيه القبيلة دوراً كبيراً في المجتمع.

انتفاضة على القيود

ومن هؤلاء الفتيات بان (25 عاماً)، وهي واحدة من اللواتي يصنعن انتفاضتهن الخاصة. وكانت من بين مَن جلسن في استراحة محارب عقب انتهائها مع أخريات من فرش السجاد الأحمر في أروقة مبنى مهجور يطل على ساحة التحرير، ويعرف باسم المطعم التركي، فيما أطلق عليه المحتجون أيضاً اسم جبل أُحُد.
وفي حديث لوكالة (الأناضول) قالت بان وهي تلهث: «لأول مرة أحس بالانتماء لهذا البلد، وبأهمية وجودي وبأن الثورة محتاجة وجودنا جميعاً».
وصمتت لثوان معدودة قبل أن تضيف: «ثورتنا هذه المرة لم تكن ضد نظام الحكم فحسب، بل هي ضد الأنظمة العشائرية القبلية الدينية التي تسوِّق أفكاراً لتحجيم دور المرأة بالمجتمع».
هذا ويشهد العراق منذ مطلع شهر أكتوبر الماضي، احتجاجات شعبية في العاصمة بغداد ومحافظات أخرى، تطالب برحيل حكومة عادل عبدالمهدي التي تتولى السلطة منذ أكثر من عام.
ومنذ ذلك بدء الاحتجاجات سقط في أرجاء العراق 323 قتيلاً، وفق لجنة حقوق الإنسان البرلمانية، وأكثر من 15 ألف جريح، بحسب مفوضية حقوق الإنسان الرسمية التي تتبع البرلمان.
والغالبية العظمى من الضحايا هم من المحتجين ممن سقطوا خلال مواجهات بينهم وقوات الأمن ومسلحي فصائل شيعية مقربة من إيران.
ولايبدو أن الموت يشغل بال النساء المشاركات في الاحتجاجات، بل إن ما يثير مخاوفهن أمر مختلف تماماً.

الموت أرحم

متظاهرة تضع كمامة على أنفها، تحدثت لـ(الأناضول) مفضِّلة عدم كشف هويتها عن هذا الهاجس بالقول: «ليس لدي أو لدى زميلاتي أي خوف من الموت، لكن ما نخشاه هو الاختطاف أو الاعتقال لأن الموضوع يتحمل تبعات عائلية واجتماعية».
وتستشهد بحديثها عما تعرضت له زميلتها صبا المهداوي التي اختُطِفت بعد عودتها من ساحة التحرير. وتضيف: «لو كان هناك في البلاد من يحترم الدستور والقانون لَما جرى اختطافها واعتقالها وإخفائها بهذه الطريقة، بالرغم من كونها لم تقدم سوى المساعدة لإخوانها المتظاهرين».
وختمت حديثها بسؤال وجَّهته لسلطات البلد بالقول، «أين صبا؟».
وكان مجهولون قد اختطفوا المسعفة صبا المهداوي من وسط بغداد، عقب مغادرتها ساحة التحرير في طريق ذهابها لمنزلها قبل نحو عشرة أيام، ومايزال مصيرها مجهولاً.
وقد تزايدت المخاوف مع تداول ناشطين عراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي خبر اختفاء ناشطة أخرى تدعى ماري محمد.
ويقول المدوِّنون إن ماري محمد اختفت قبل نحو خمسة أيام ولا أثر لها فيما آثرت أسرتها الصمت على أمل الوصول إلى خاطفيها قبل حدوث أية ضجة إعلامية.
وعادة ما يتهم الناشطون المدوِّنون على الإنترنت فصائل شيعية مقربة من إيران، وعلى رأسها (عصائب أهل الحق) بزعامة قيس الخزعلي بالوقوف وراء حالات الاختطاف، وهو ما تنفيه تلك الفصائل.

خط المواجهة

رغم مخاوفهن من الاختطاف، إلا أن هذا الهاجس لم يقف حاجزاً أمام إقبال متزايد للنساء على المشاركة في الاحتجاجات بدءاً من خط المواجهة الأول وصولاً إلى الخطوط الخلفية.
وباندفاع كبير، تحدثت المسعفة الطبية اشتياق (36 عاماً) لـ(الأناضول)، وقالت: «دورنا بدأنا نأخذه وبدأ يكبر، ونحن الآن نقف وسط إخوتنا المتظاهرين في كل ميادين الاحتجاج، فنحن نتواجد على خط المواجهة الأول سواء كمفارز طبية أو لتقديم المساعدة بالرغم من انطلاق الرصاص الحي والقنابل الموجهة على رؤوسنا والقريبة منا».
وتابعت: «تتواجد نساء أخريات في الخطوط الأخرى لتقديم الدعم اللوجستي والطعام والقيام بحملات تنظيف وأعمال تطوعية أخرى، وكذلك هناك شابات ساهمن في رسم جداريات، وأخريات ساهمن مع إخوانهم في إصدار جريدة ورقية يومية في ساحة التحرير باسم (تك تك).
وطالب المحتجون في البداية بتحسين الخدمات وتأمين فرص عمل ومحاربة الفساد، قبل أن تشمل مطالبهم رحيل الحكومة.
ويمانع رئيس الحكومة في عبدالمهدي الاستقالة، ويشترط أن تتوافق القوى السياسية أولاً على بديل له، محذرًا من أن عدم وجود بديل سلس وسريع سيفضي بمصير العراق للمجهول.

لا أجندة

«هذه تجربة عظيمة».. هكذا وصفت رغد (30 عاماً) مشاركتها في الاحتجاجات، وتقول: «شاركت هذه المرة لأن التظاهرة خالصة للعراق وليست فيها رموز سياسية أو دينية أو من أية أجندة».
ولم تتوقع رغد أن تجد حملة أطلقتها على مواقع التواصل الاجتماعي لتنظيف ساحة التحرير والمطعم التركي كل تلك الاستجابة السريعة التي حظيت بها.
وفي هذا الصدد تقول: «أطلقت الحملة على مواقع التواصل لتنظيف ساحة التحرير والمطعم التركي، وشارك أغلب الشباب والشابات فيها دون أي تردد».
وتكمل بملامح مطمئنة: «الشباب في ساحة التحرير يفكرون بشكل واع ويدركون أن التغيير يبدأ حين نتشارك معاً رجالاً ونساءً للحصول على حقوقنا ونطالب بالتغيير سوية».

الأخبار المتعلقة

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com