أبوحافظ سيرة عطرة تجف كل أقلام الدنيا ولاتحتويها

أباحافظ.. كم كنتُ أخشى مرارة هذه اللحظة – لحظة الوداع – منذ أن ألمَّ بك المرض العُضال في العام الماضي. فأنت من لايُتَصَوَّر فقدُه، ولانستطيع الصبر على فراقه، إلا بمدد من الله العزيز الحكيم، فقد كنتَ يا سيدي حاضراً دوماً فيناً ومعنا، فكيف للعين بعد اليوم أن تتحرَّاك في المشاهد ولاتراك؟ إن في العين دمعة ساخنة تأبى أنْ تتحدَّر لكي لاتبدأ فتنتهي من بكاء فقدِك، وليتك تمهَّلت فأعطيتنا فرصة تناسب وداعك، ولكنها مشيئة الله الواحد القهار. الذي نبتهل إليه أن يجعلك ممن رضي عنهم ورضوا عنه وأثابهم بجنات النعيم والخلود، وإنْ كنتَ بعيداً عنا بجسدك فروحك تظللنا في كل الأماكن والأنحاء.  
ماذا عساني أن أنسى يا سيدي؟ هل تراني  أستطيع أن أنسى دعاباتك معي وضحكاتك أو أنسى لكماتك المازحة على كتفي كي تبث في روحي المتعَبة قليلاً من الفرح كل مرة ألقاك فيها وأنت تصرخ فيَّ معاتباً طول الغياب في كل مرة عليك؟ يا من عرفتني طفلاً فرفقت بطفولتي، وعرفتني غلاماً فشاباً يافعاً، فنزلت بقدرك الكبير كي تحتضن جهلي فتبدله بحكمتك المبكرة عليَّ. وعرفتني رجلاً فكنتَ الشاهد على عقد زواجي، ثم عرفتني كهلاً وقد شاب شعري وبدأت السنون تُغَيِّر من شكلي وأنتَ أنتَ كما عرفتُك جَدُّ لايخالطه هزْل، وابتسامة عالية لاتتغير ولاتحيد، وعاطفة جيَّاشة، وسؤال دائم عنا وعن أحوالنا وآبائنا وإخواننا وأهلينا وأبنائنا وأحبائنا. 
أباحافظ.. ماذا عساني أنْ أذكر في ليلة فقْدِك؟ هل يوجد ميدان للشرف والعزة والكرامة والتكافل والتعليم لايعرفك؟ يا من كنتَ عضيد الراحل الكبير الشيخ عيسى بن محمد رحمه الله, لايضيرك لو وقفت دائماً خلفه، لاتتصدى لشهرة ولاتميل إلى أضواء، مع أنكَ فارس العمل الدَّعَوِي والاجتماعي والخيري والسياسي والإداري. وأنتَ التاجر الذي يُحسِن الوقوف على تجارته وينشدُ الناس محلَّه لجودة تَعَامُله قبل بضاعته.
لم يعرف السن والكبَر إلى قلبك النابض بروح الشباب سبيلاً مع أنك جاوزت الثمانين من عمرك. ستذكرك يا سيدي المدينة المنورة ومكة المكرمة اللتين تزورهما في كل رمضان. ستذكرك جدران نادي الإصلاح وجمعية الإصلاح التي ما انفصلتَ عنها يوماً في حياتك. ستذكرك أروقة مسجد جمعية الإصلاح وجميع مساجد المحرق والمنامة التي ما فارقتها. سيذكرك شارع باب البحرين وممراته ودكاكينه. سنذكرك كلنا وكل شيء فينا، وسيذكرك القريب والبعيد، والصاحب والمخالف، وكثير من الناس ممن رشفوا من طِيْب ذكرك ودماثة خُلُقِك وصِدْق توجُّهك وثبات مبدئك. فهنيئا لك الذكرى الكريمة والسيرة العطرة. 
وفي لحظة الوداع الأليمة التي أراد الله لجسمك أن يرتاح من همة صاحبه يلهج قلبي بالدعاء لك، فأنت مَن علَّمني كل جميل، فأسألُ الله تعالى أنْ يعطيَّك بركة ما علَّمتني في عمري كله وعمر جميع مَن مرُّوا في حياتك فأحسنتَ تعليمهم وتربيتهم ومعاملتهم، وأن يغفر لك ربُنا الكريم ويجمعك مع مَن أحببتَ وصاحبتَ في أيامك الطاهرة.
فاللهم اجمعنا بعبدك قاسم الشيخ صالح في جناتك جنات النعيم مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والتَّابعين وجميع الدعاة والعاملين المخلصين. اللهم آمين، ولانقول إلا ما يُرضِي ربنا، والحمد لله رب العالمين. 

خدمة إيقاظ

قد علَّمنا النبي الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نوعاً فريداً مِن بِرِّ الآباء بعد مماتهم وهو أنْ نصل صديقهم.
فيا أبناء جمعية الإصلاح المباركة.. قد وهبكم الله آباءً عظاماً غير آبائكم، بدءاً من المؤسس الكبير الشيخ عبدالرحمن الجودر، مروراً بأديب البحرين الأول الأستاذ مبارك الخاطر، ومن بعده قائد الرحلة ومقوِّمها الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة، ثم الأستاذ القدير أحمد بوقحُّوص، وانتهاء بالفقيد الغالي الأستاذ قاسم الشيخ صالح.. رحمهم الله جميعاً.
هؤلاء المنارات الشاهقة كانوا سبباً في التئام كثير من الأصدقاء والمحبين على جمعية الإصلاح؛ لسيرتهم الزكية العطرة، ولأنهم الكبار الذين كانوا مصابيح المكان التي لن تنطفىء بإذن الله برحيلهم. فصِلُوا يا أبناء الجمعية المبارَكين جميع أحبائنا الذين كانوا يصلوننا بسببهم، ولاتدخروا جهداً في ذلك إنفاذاً لوصية حبيبكم المصطفى صلى الله عليه وسلم. 
الأحد ١٢ رجـب ١٤٣٨ هجرية
الموافق ٩ أبريل ٢٠١٧ ميلادية

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com