أحمد بوقحوص.. معلِّم الناس الخير

مع الاحتفال باليوم العالمي للمعلم، طلب أحد حسابات التواصل الاجتماعي من متابعيه أن يكتب كل واحد منهم اسم معلم ترك أثراً طيباً في نفسه، وبالرغم من أن ذاكرتي تحتفظ بأسماء كثيرة لمعلمين أفاضل قضينا معهم أجمل مراحل حياتنا، إلا إنني حين أستحضر ذكريات اثني عشر عاماً قضيناها في المدرسة بجميع مراحلها الدراسية، وحين أستذكر جهود جميع المعلمين الذي ساهموا في تكوين شخصيتي محتفظاً بأقدارهم جميعاً، فإنني أجد أن أستاذنا ومديرنا في مدرسة الحد الابتدائية الإعدادية الأستاذ أحمد عبدالله بوقحوص رحمه الله رحمة واسعة يتربع على عرش هذه القائمة.
كان بالنسبة لي علامة فارقة، ورمزاً تربوياً فريداً، عرفت في عهده الطريق إلى حب الخير للغير، وتعلمت منه أن تعليم الناس بالقدوة والسلوك يُغْني عن كل الحصص الدراسية والمحاضرات.
كان رحمه الله سهلاً هيناً ليناً موطَّأ الأكناف مع الجميع، لكنه في ذات الوقت مهاب الجناب، يحسب له الجميع ألف حساب، فقد كان أستاذاً في فن التعامل مع أنماط الشخصية، يتقن توزيع اهتمامه على الجميع كل بحسب حاجته دون إفراط ولا تفريط.
في عهده تعلمنا قيمة الصلاة فأحببنا المحافظة عليها، فقد كان رحمه الله يثني على الطلبة المحافظين على الصلاة ويمدحهم ويكرمهم، ويقابلهم بابتسامته اللطيفة، بل ويغدق عليهم من الجوائز في طابور الصباح، وكان ينصح بالحسنى والكلمة الطيبة من لايحافظ على الصلاة، وكثيراً ما يصدِّر نصائحه بالثناء على آباء الطلبة وذويهم، فيكون ذلك باعثاً على القبول الحسن لتوجيهاته.
في عهده تأسست أول جمعية دينية في مدرستنا، وفيها أُجرِيت أول انتخابات لاختيار رئيسها من الطلبة، ومن خلالها تعزَّزت علاقتنا مع طلبة المدارس الأخرى، وتضافرت جهودنا لخدمة المساجد في المنطقة، بإشراف مباشر منه بالرغم من كثرة مشاغله كونه مديراً للمدرسة.
كان رحمه الله يتحيَّن الفرص فينوب عن بعض المدرسين أثناء غيابهم ليقابل الطلبة ويعلمهم ويرشدهم ويسدي لهم من حصيلة خبراته وتجاربه في الحياة، فاستحق بذلك أن يكون ممن يعلِّمون الناس الخير، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرَضين، حتى النملة في جُحْرها، وحتى الحوت، لَيُصَلُّون على معلِّم الناس الخير).
نستذكر أمجاد الطيبين من المعلمين القدامى، ونحن نعيش مأساة ترَدِّي الوضع العام للمنظومة التعليمية، وغياب التقدير الحقيقي للمعلم، مما حدا بالكثير من الكفاءات والخبرات التربوية إلى تفضيل التقاعد الاختياري هرباً من الواقع المزري، ففقدنا بذلك صفوة خبرات من الصعب تعويضها.
إن على الجهات المعنية أن تتدارك الوضع، وتعيد صياغة الأنظمة التي تعيد للمعلم والمربي هيبته، وللمناهج الدراسية قوتها النوعية، كما أن عليها أن تعيد النظر في طول اليوم الدراسي بما يتلاءم مع قدرات الطلبة، وأن نهتم بالمضمون لا بالشكل، لنضمن مخرَجات كتلك التي كانت في زمن جيل الطيبين.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com