أزمة ثقة بين نظام وشعب

التحريف في خطاب ترامب الأخير في الفقرات التي تناولت إيران مثال كلاسيكي عن التضليل الذي تمارسه إيران بحق شعبها قبل أي شيء.
البحث عن الحقيقة من مصادر أخرى، هو ما تقوم به شعوب البلدان التي تعيش في ظل نظم دكتاتورية قمعية تفرض على الشعب أن يفكر ويرى في اتجاه واحد وهو اتجاه النظام الحاكم. هذه الحالة كانت إلى حد ما ممكنة قبل عصر العولمة والإنترنت، ذلك أن التكنولوجيا قد جعلت من العالم صغيراً بحيث بات من الصعب إخفاء الحقائق فيها وخصوصاً تلك التي تشع كشعاع الشمس.
والحديث عن الأنظمة الدكتاتورية والقمعية يقود شئنا أم أبينا إلى أسوأ نظامين بهذا الصدد وهما نظام كوريا الشمالية ونظام إيران، واللذين يسعيان دوماً لكي يسمع الشعب ويرى ويتكلم كما يريده ويرغب به النظام. وحديثنا اليوم ليس عن كوريا الشمالية ودكتاتورها الدموي، وإنما عن النظام الذي نصَّب من نفسه حامي حمى المسلمين والمستضعفين، ويتولى (مرشده) الأعلى منصب (ولي أمر المسلمين)، كما يقولون ويذكرون في وسائل إعلامهم الموجهة، ذلك أن هذا النظام ولاسيما قادته وكبار مسؤوليه الذين دأبوا دائماً على اتهام العالم الغربي وحتى الأنظمة السياسية في المنطقة التي لاتخضع لنفوذهم، بممارسة الكذب والخداع لتضليل الشعوب وحرْف الحقائق، تقوم وسائل إعلامهم الموجهة بشكل مباشر لشعبهم بممارسة الكذب والخداع والتضليل في عز النهار ودونما أي خجل أو حياء!
خلال عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما والذي استمر لثمانية أعوام، لم تكُف وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية عن ممارسة الكذب والتضليل للشعب الإيراني، وكانت تسعى دائماً لنقل الخبر وعكسه وفق رؤية ورغبة وفكر النظام. والذي يثير الدهشة حتى الذهول هو أن وسائل الإعلام الإيرانية لاتكتفي بتزوير وتحريف أخبارها الداخلية والخارجية واختلاق تصريحات ومواقف ومقابلات وهمية فقط وإنما حتى كلمات وتصريحات قادة وزعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء العالم عندما يقومون بنقلها بصورة حية ومباشرة.
تحريف كلمات وخطابات وأخبار زعماء العالم ومسؤولي الدول، واحدة من الحرف والممارسات التي تمتهنها وسائل الإعلام الإيرانية الخاضعة لسلطة ولاية الفقيه بقوة، وإن ما قد قامت به وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) ومواقع ووكالات إيرانية في أبريل 2017 بفبركة تصريحات للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ولرئيس وزراء الجزائر عبدالملك سلال، خلال تغطية زيارة وزير الثقافة الإيراني لبلديهما نماذج من قائمة طويلة في هذا الخصوص، ونال هذا التحريف والتزوير والفبركة الممنهجة في سبتمبر الماضي من عمرو موسى، أمين عام الجامعة العربية الأسبق، حيث نسبت له وكالة الأنباء الايرانية تصريحات تداولتها وسائل إعلام إيرانية رسمية أخرى، زعمت فيه أنه هاجم السعودية ودول التحالف العربي، وهو ما أضطر مكتبه إلى أن يصدر نفياً قاطعاً لكل ذلك.
هذا إلى جانب قيام وسائل إعلام إيرانية بتحريف خطاب بان كيمون الأمين العام السابق للأمم المتحدة، ولرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة ناصر عبدالعزيز حول الأزمة السورية، وكذلك تحريفها وتزويرها لخطاب الرئيس المصري السابق محمد مرسي بشأن الأوضاع في سوريا.
والخطاب الأخير الذي ألقاه الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي نقله التلفزيون الإيراني، شهد تحريفات مثيرة للسخرية من أجل تضليل الشعب الإيراني وتزوير الحقائق للتغطية على سياق الأمور والأحداث. ووفقاً لقناة (بي بي سي) الفارسية التي رصدت الفقرات المحرَّفة بالترجمة، إذ كانت الترجمة الفورية لخطاب ترامب عبر تلفزيون (خبر) الإيراني تسير بشكل جيد إلى أن وصل حديث ترامب لموضوع إيران فعندها قام المترجم بتغيير مضمون العبارات وتم تحويرها عن أصلها بشكل لايمس النظام الإيراني، بالرغم من أن الرئيس الأميركي شن هجوماً كاسحاً على إيران.
وعندما قال ترمب إن «شعوب العالم يجب أن تواجه هذه الحكومة المارقة»، ترجم التلفزيون الإيراني العبارة كالتالي: «لدينا مشاكل مع الدول الأخرى». كما تم تحريف قوله «هذه الحكومة حولت بلداً غنياً بالتاريخ والثقافة إلى بلد معزول ومنهك اقتصادياً»، إلى «يجب أن يكون وضع معيشة الإيرانيين أفضل من هذا». أما عندما تحدث عن أن «السلطة الإيرانية تخشى من الجيش الأميركي العظيم»، قام تلفزيون إيران بترجمة الفقرة كالتالي: «أميركا لديها جيش عظيم، والشعب الإيراني عظيم أيضا!»
هذا التصرف الذي ليس بالأول ولا بالأخير من جانب وسائل الإعلام المسيَّرة والممنهجة هذه، يعكس فيما يعكس أزمة ثقة مستعصية بين النظام والشعب، كما هو الحال في أي نظام دكتاتوري استبدادي قمعي، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو أليس مثيراً للسخرية والتهكم أن تبادر وسائل الإعلام هذه إلى هكذا أسلوب من أجل إخفاء الحقيقة التي ليس بالإمكان إخفاؤها أبداً؟ رغم إنني لا أذكر إطلاقاً إن قامت أنظمة دكتاتورية بمثل هذا التصرف الغبي، إذ كان بإمكان هذا النظام أن يمنع نقل هذه الكلمة مثلاً فيريحنا ويرتاح، غير إن المشكلة الكبرى لهذا النظام تكمن في عدم استطاعته الاندماج والتأقلم مع محيطه والعالم كله، وفي الوقت نفسه عدم مقدرته على فرْض أفكاره ورؤاه المثيرة للجدل وحتى التهكم على العالم، رغم إن الأهم من كل شيء هو عدم تمكن هذا النظام من مد جسور الثقة بينه وبين شعبه، حيث كلما امتد الزمن كبرت الفجوة بينهما،وفي النهاية فإن النظام سيصبح في واد والشعب في واد آخر، أو بكلام أكثر وضوحاً سيندثر أو سيسقط هذا النظام ويستعيد الشعب الإيراني حريته.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com