أكتب وصيتك والبس كفَنَك قبل السياقة

بعد إعلان وزير الداخلية الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة عن تراجع عدد الحوادث المرورية إلى 44 حادث وفاة في عام 2016 مقارنة بـ86 حادث وفاة في عام 2015 فرحت كثيرًا في البداية بانخفاض حوادث الوفيات في البحرين بنسبة 50% تقريبًا، وراودني شعور بأن هناك تطوراً كبيراً في الجانب المروري في البلاد أدى فعليًا لهذا الانخفاض الكبير. لكنني بعد أن أتحت مجالاً لنفسي للتفكر والتمعن في الخبر قليلاً، سألتها: كيف أفرح وقد تُوُفِّي 44 شخصاً على الأقل خلال العام الماضي نتيجة حوادث مرورية مختلفة في البحرين؟ نعم انخفاض العدد أمر مفرح ولكن 44 حادثاً مميتاً ليس بالأمر الهيِّن كذلك وليس بالعدد القليل كي نفرح! طبعًا أنا لا أقلل هنا من جهود الإدارة العامة للمرور ولا أستصغر هذا التطور الذي حدث والذي أدى لتقليل عدد حوادث الوفيات ولاسيما إذا ما قارنَّا هذه الإحصائية بإحصائيات بباقي دول العالم.
لكن يبقى السؤال المطروح.. متى سيقل عدد الحوادث إجمالاً وحوادث الوفيات على وجه الخصوص إلى أدنى مستوياتها؟ فلو كنا نتكلم عن أقل من 10 حوادث مرورية تؤدي للوفاة خلال عام كامل لًكان أمرًا مقبولاً رغم أن الأمر سيحزننا، ولو كان حادثاً واحداً خلال العام إلا أنه في دولة حديثة كمملكة البحرين وفي ظل الكثافة السكانية الكبيرة بها وتزايد إصدار رخص السياقة فإن 10 حوادث مرورية مميتة تكون (مقبولة نوعًا ما) خلال عام كامل، لكن أنْ يتعدى هذا العدد ليكون 44 حادثاً فهذا ليس بالأمر الذي يدعو للفخر أو الرضى مهما كان العدد الذي يسبقه في السنوات الماضية.
مشاكل السياقة المتهورة والحوادث المرورية لاتكاد تنتهي وهي من المعضلات المزمنة التي تعيشها معظم دول العالم اليوم، إلا أن من واجب جميع الجهات المعنية بسلامة الطريق سواء الإدارة العامة للمرور أو وزارة الأشغال أو مؤسسات المجتمع المدني أن تضع حلولاً عملية وفاعلة لحماية السائق الذي يخرج من بيته وهو لايدري هل سيرجع إليه أم لا! فنرى من حولنا أناساً ذهبوا ضحية لحوادث مرورية عديدة لم يتسببوا هم بها إنما جراء تهوُّر وانعدام مسؤولية من قبل الطرف المتسبِّب بالحادث، فهل سنصل إلى مرحلة يكتب فيها السائق وصيته وربما يلبس كفَنَه قبل أن يقود سيارته؟!
نعم الأعمار بيد الله وكل شيء عنده بمقدار (ومحَّد يموت إلا في يومه) لكن الأخْذ بالأسباب أمر ضروري وحتمي في هذه المسألة بالذات، فعلى الجهات المسؤولة أنْ تضع نصب أعينها سلامة الطريق مهما كلَّف ذلك الأمر من ميزانيات أو جهود. وفي ظل تهوُّر معظم السائقين وعدم التزامهم بالقوانين المرورية يجب عدم التساهل معهم في الإجراءات القانونية المتبعة، كما يجب زيادة تركيب كاميرات السرعة والرادارات البارزة للجميع ودون إخفائها خلف الشجر أو داخل سيارة أو نحو ذلك، حيث إن الهدف من وضْعِها هو تحذير السائق من وجود الكاميرا وتنبيهه إلى ضرورة تخفيف سرعته لحفظ سلامته وسلامة كل مَن يرتاد الطريق، وليس الهدف هو المردود المادي فقط من هذه المخالفات. وطبعًا هناك العديد من الحلول العملية التي من الممكن تطبيقها أو تفعيلها أكثر، ولا ضير في الاطلاع على تجارب الدول الناجحة في هذا الأمر وتطبيق تجاربها هنا كاليابان مثلاً التي تعد النموذج الأروع في سلامة الطريق على مستوى العالم.
والكلام يمتد هنا إلى دور وزارة الأشغال كونها طرفاً مهماً ورئيسياً في حل هذه المشكلة، ويكون ذلك بعمل دراسة شاملة لجميع الطرق الرئيسية والفرعية في المملكة، ووضع الاستراتيجيات لتطويرها وتحسينها، كما لابد من مواصلة عمليات الصيانة الدورية لها.
وحقيقة إن جهود الوزارة كبيرة في هذا الشأن ولايمكن لأحد نكران ذلك، ولكن ما دامت هناك حوادث فبالطبع هناك بعض مكامن قصور أو نقص يجب التَّنَبُّه لها. وهناك شوارع داخلية وطرق فرعية تشهد اختناقات مرورية كبيرة لاسيما في أوقات الذروة، فعلى الوزارة والمسؤولين في إدارة الطرق أن يبتكروا أساليب جديدة لإنشاء الطرق الحديثة، إضافة إلى تطوير الطرق الحالية المتهالكة. كل ذلك كي نطور من البِنَى التحتية بالمملكة وبالأخص شبكة الطرق حتى تكون وزارة الأشغال قد قامت بواجبها وأخْلَت مسؤوليتها؛ للقضاء على حوادث الوفيات.
وهنا لفتة إليك أيها السائق، فلو تمعَّنت قبل أن تقود سيارتك بأنك ستكون ربما إما قاتلاً أو مقتولاً أثناء قيادتك لازداد حرصك على السياقة المتأنية والالتزام بالقوانين المرورية أكثر، فبمخالفة أيٍّ من هذه القوانين قد تكون قاتلاً – ليس بالمصطلح القانوني ربما – من المنظور العام، وبقَطْعك للإشارة الحمراء على سبيل المثال وتسبُّبِك في وقوع حادث وبمقتل شخص بريء لا ذنب له في سيارة أخرى فأنت هنا قاتل، فأنت بمَحْضِ إرادتك وبكامل قواك العقلية والجسدية قررت أنْ ترتكب هذه (الجريمة)! فهي لم تعد مخالفة فحسب، وأنت هنا قد أزهقت روحًا بطيشك وتهوُّرك المتعمد، وقد تكون يا عزيزي السائق المتهور أنت الضحية فتكون قد قتلت نفسين أو أكثر في وقت واحد وفي لمح البصر!
سهم في الرأس
يا رجال المرور المحترمين.. من مهامكم أنْ تسَهِّلوا الحركة في الطريق للناس لا أنْ تعرقلوها فتحرَّوا الوقت المناسب لحملاتكم المرورية وتجنَّبوا أوقات الذروة.. وبارك الله فيكم.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com