ألا يستحق هذا الشعب الحر البطل الجميل بيان معذرة وتوضيح من الذين قادوه فخذلوه وضيَّعوه..!

 وحديثتا في هذا المقام ليس عن دولي ولا عن إقليمي، وإنما عن المتسنِّمين ذُرى المسؤولية من القادة الأفذاذ السوريين.. السوريين.. السوريين، ومن الذين حسبناهم سوريين.
حديثنا إلى كل من جلس على كرسي قرار في مجمَّع من مجامع السوريين، فكان يوماً قائد عشرة أو قائد مائة أو قائد ألف. وثق به الناس، وألقوا إليه بمقاليد قرارهم، ودعموه وانتظروا منه، ومايزالون يتذكرون ما وعدهم، وينتظرون.
يموت الوالد ويترك لولده ثروة يسبق إلى التصرف بها فينمِّيَها أو يدَسِّيها، فيمشي عمره بين الناس في عز هذا أو في ذلة ذاك! وأحرى بمن بدد ميراث ثورة شعب حر جميل أن يبوء بإثمها إلى يوم الدين!
يفلس التاجر في شركة صغرى أو كبرى فيقف الناس فوق رأسه يطالبونه بمعاذير الإفلاس، كيف وقع، ومن أين كان؟ ومن حق اليوم أن يسأل كل ثاكل وثاكلة، يتيم ويتيمة.. كيف كان ثمرة كل ذلك الضنى ما نرى ونسمع ونعيش.
لايشكك مشكك في أن هذه الثورة السورية الهدارة بكل عنفوانها وزخمها وقوتها ومضائها وجمالها كانت هبة الله للسوريين جميعاً أولاً. لم يفجِّر براكينها فئة ولا جماعة ولا حزب ولا يمين ولا يسار ولا إسلامي ولا علماني ولا دولي ولا إقليمي ولا صغير ولا كبير.
كانت هبة الله لشعب مظلوم مستضعف تمَكَّن منه الاستبداد والظلم والفساد على مدى عقود متطاولة. قال الله: اشتريت.. وقال أحرار سورية شبابها وشيوخها نساؤها وأطفالها: بعنا.. بعنا، يا رب.. وصدَقوا البيع، فكان منهم الملايين من الصابرين المحتسبين رباطاً في الخنادق، وتجلُّداً في سجون الظالمين، ومصابرة على لأْواء الهجرة والتشريد. تضحيات جُلَّى ما عرفها شعب، بكمها وكيفها، على مر التاريخ.
وفي شدة البأس وحين حمي الوطيس تدافع قوم من السوريين إلى مقاليد القرار، وقالوا لهذا الشعب الحر الجميل الذي كان يبذل دماً أحمر قانياً، وتضحيات جساماً مما تحتمله قلوب الأمهات الثكالى، والزوجات الأرامل، والأطفال الذين كانوا ينتحب الواحد منهم فوق رأس أبيه الشهيد البطل الجميل ينادي عليه: لاتتركني وتروح يا يوب.
قالوا لهذا الشعب الحر الجميل: نحن نكفيك.. نحن ننصرك.. نحن.. نحن كلام محفوظ مسجل على قائليه.. كلام قيل على سرير السلطة، أو هو فحيح أفعوان ذكر، وليس كما قال الأول:
إن للحسن يا دليلة أفعى … كم سمعنا فحيحها في سرير
أفعوان حب السلطة حين يتمكن من قلْب صاحبه يفعل فيه كما في قلب بشار الأسد، ويتضاءل أمامه فحيح كل دليلة على سرير الحسن عبر التاريخ.. على السلطة وإنْ كانت رعاية مثل الفجلة يقتل الولد والده والوالد ولده ويقطع الأخ حباله مع أخيه.
لا أحب لأحد أن يشخصن هذا الكلام، فهو ليس موجَّها لشخص أبداً، بل هو موجَّه لكل شخص، لكل من تسلم مقعد مسؤولية في هذه الثورة الجميلة فخذل وضيَّع وفرَّط، ولكلٍ من هؤلاء حسب سعة قواعده وجمهوره، وحسب ارتفاع منسوب الثقة التي عقدت عليه.
واليوم وهذا الاحتلال الروسي ينفرد بسورية والسوريين، وينفرد في سورية والمنطقة من حولها في الداخل والخارج في سابقة لم يشهدها تاريخ التدافع السياسي لا في أيام الحجَر والمقلاع، ولا في أيام الترس والرمح، ولا في أيام الصواريخ العابرة للقارات. فراغ مطلق تعمل فيه أنياب بوتين ومخالبه؛ ولا دولي يعترض، ولا وجهٌ إقليمي يتمَعَّر، ولا الفريسة المعلقة للذبح تثغو أو تموء.
ليبقى السؤال التاريخي الذي سيدور مع الزمان لكل هؤلاء السادة القادة الاستراتيجيين المنظِّرين المؤمنين منهم والملحدين الدينيين منهم والمدنيين.
ألا نستحق نحن المسحوقين تحت سنابك غروركم وادعائكم وتحمَّلكم ما لستم له بأهل، وتَدافُعكم على ما ليس لكم بحق، بياناً وتوضيحاً: يحكي لنا كيف كان ما كان؟! وكيف وصلنا إلى ما نحن فيه في بضع سنين من الزمان؟
ألا نستحق أن تشرحوا لعقولنا التي كنتم دائماً تتهمونها بالقصور، وعدم المعرفة، وقِصَر النظر، وضيق النفس. كيف تبدد ذاك الزخم من الطاقات التي كانت قادرة على نسْف الجبال؟! وفيم أريقت تلك الدماء؟ وعلام ذُرِفت تلك الدموع؟!
لاتحدثوننا عن المؤامرة الكونية، فقد حدَّثنا عنها بشار الأسد من قبل طويلاً، بل بسِّطوا لعقولنا كيف استرسلتم مع (أصدقائكم) منذ مؤتمرهم الأول في تونس من الديمستورات ومن الوزراء والأمراء والسفراء في (روديترات) التبديد والتبريد، يوم كان كل العقلاء حولكم يصرخون.. يستغيثون.. ينادون: لا حملت رجلاك يا جمل.
كل الهزائم والانكسارات تُدفَن يتيمة بصمت وبلا مأتم ولا معزين، ولا قراء فاتحة.. فهل ينتصر السوريون على هذه العادة اللئيمة الذميمة اليوم؟!
صُنَّاع الهزائم في العالم الحر يتحملون نتائج خيبتهم وتفريطهم، وفي عالم المنكودين يكون صُنْع الهزيمة شهادة خبرة وتأهيل، يصنع الواحد الهزيمة الأولى فيتأهل لصنع الثانية والثالثة والرابعة والأربعين. كما أهَّلت هزيمة السابعة والستين حافظ الأسد وابنه من بعده إلى كل هذا الذي نرى وترون.
وختْم الرسالة: يا صناع واقعنا بكل ما فيه من مرارة وألم وخيبة.
ألقوا معاذيركم.. اشرحوا للناس ونحن منهم، ما كان منكم وعليكم، حدثونا عن سر غيابكم وصمتكم وتلاشيكم.. كملح في ماء.
قد تهربون من أسئلتنا اليوم وغداً، فأين أنتم من سؤال الله يوم الدينونة الكبرى تهربون؟! يوم تشهد عليكم كل قطرة دم سُفِكت من نحر شهيد، كل زفرة حرَّى انطلقت من صدر حرة.. وكل دمعة ذل سالت على خد يتيم..
ألقوا معاذيركم لعلكم تُقنِعون فتُفلِحون.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com