ألف ألف تحية لأطفال الغوطة ونسائها ورجالها وثوارها! لم ننكسر.. وزمرة الأسد لم تنتصر!

 ليس من حق ولا من عدل ولا من مروءة هذا القذف الذي استسهله بعض الناس لمادة الثورة السورية من إنسان وثوار. في لغة من الاتهام لاتليق بأصحاب المروءات، كما لاتليق بأصحاب المبادىء والدعوات، ولاتليق ثالثاً بالمفكرين والعقلاء. امتلأ الفضاء بنوع من (الغوشة) علت فيها بغير وجه حق نبرة التخوين والتهوين والاتهام، وتحول البعض إلى مفتين يوزعون على الناس صكوك الحرمان والإجرام، وليس هذه المرة صكوك الغفران.
من حق أن نوجه تحية الإجلال والإكبار لأطفال الغوطة ونسائها ورجالها وثوارها عن كل لحظة معاناة وعن كل رعدة رعب، ومغصة جوع، وقرصة برد؛ عاشوها طلباً للحرية والكرامة والعزة. وأبى هذا العالم الجاحد من حولهم إلا خذلاناً وفي القهر والظلم إمعاناً.
ومن حق أن نقول إن معركة الغوطة ومن قبلها كل المعارك الكبرى التي خاضها الشعب السوري ابتداء من القصير إلى الزبداني ومضايا وداريَّا والقلمون وحمص وحلب لاتُحسَب في الميزان الاستراتيجي العام كما هو عليه ظاهر الأمر (هزيمةً للثورة) و(انتصاراً لأعدائها). فهذا الحساب حساب المستعجلين، الذين لايرون من السفينة إلا ما طفا منها.
إن أبسط ما يستخلصه الدارس في مجريات الأحداث، وفي أعداد المهجَّرين والمرحَّلين من مَواطنهم، يكذِّب دعاوى كبيرة للأسد وحلفائه أن هذه الثورة من فعل عصابة من الإرهابيين القادمين من وراء البحار. فالثورة هي ثورة أبناء الأرض ضد عدو الأرض والعرْض، وفي هذه الشهادة وحدها من النصر ما فيه. ثم إن شهادة (الرقم) الشفاف في عمليات التهجير، بما تشمله من نساء وأطفال وشيوخ، تؤكد أن هذه الثورة هي ثورة (مجتمع) بكل طبقاته ومكوناته ضد حاكم ظالم طاغية مستبد. وتؤكد أن الكثرة من أبناء هذا المجتمع تؤْثر حياة التهجير والاغتراب على أن تقبل الخضوع من جديد لسطوة هذا المستبد الفاسد وزمرته.
من جهة أخرى يبدو أنه استرسال مع العواطف الحالمة، أن ينتظر بعض الناس (النصر) خارج إطار قوانين الحرب ببعديها المعنوي والمادي معاً.
منذ البداية تشكك العالم أجمع في قدرة الشعب السوري على قول (لا)، فقالها بكل قوة واجتراء. ثم تشكك العالم أجمع في قدرته على التظاهر فتظاهر وهتف للحرية والكرامة والوطن الواحد، ثم تشككوا في قدرته على الاستمرار في التظاهر فاستمر فيه سلمياً من طرف واحد، نحواً من عام. ثم تشككوا في قدرته على الصمود في ميدان المواجهة غير المتكافئة مع (زمرة) تملك إمكانات دولة، وتسيطر على مواردها، وعلى جيش عداده نصف مليون إنسان، فاستطاع أن ينتصر بعزيمته وثباته وتضحياته على كل هذه التحديات؛ ليجد نفسه أخيراً وحيداً في الميدان، مجرَّداً من أي نصير، في مواجهة دولتين عظميين الأولى هي (روسيا) الدولة العظمى في العالم، والثانية هي (إيران) هي الدولة العظمى في الإقليم.
يخطىء خطأ فادحاً كل من يعتبر انسحاب الثوار السوريين من محاضنهم سواء من القصير أو من حلب أو من الغوطة انتصاراً لبشار أو لزمرة بشار. بل إن ما يحدث، إنْ عُدَّ بأي مفهوم من المفاهيم انتصاراً، فهو مجرد انتصار وقتي للمحتلِّين الروسي والإيراني والأميركي على السواء؛ وهو انتصار ستتلاعب في مآلاته مصالح من يملك أسبابه، أكثر من بشار وزمرة بشار، كما يتوقع الواهمون.
ولكي (نعقلن) ما نعيش من محنة قاسية، ونستعيد الثقة التي يجب أن لاتهتز في إيماننا وفي أنفسنا وفي مشروعنا؛ يجب أن نعود إلى وضع الأمور في سياقها الموضوعي السليم: فأي عاقل كان ينتظر من ثورة شعب مستضعف أن تنتصر على دولة عظمى مثل (روسيا) دخلت المعركة ضد الشعب السوري بكل ثقلها الاستراتيجي السياسي والدبلوماسي والعسكري متحالفة مع دولة إقليمية طائفية بترولية دخلت المعركة ضد الشعب السوري بكل ثقلها الاقتصادي والطائفي والعسكري، في وقت تخلى فيه عن التزاماتهم الإنسانية والاستراتيجية والقانونية الدولية كل الآخرين؟!
إن قراءتنا للمشهد السوري، والإشارة المباشرة إلى الأعداء المحتلين، المنتصرين – في ظاهر الأمر – على الشعب السوري، لايعفينا من التأكيد على الاختلال الواضح في الميزان الاستراتيجي الدولي والإقليمي فيما جرى ويجري على الأرض السورية.
لأول مرة، ربما منذ الحرب الباردة، تكون السياسة الروسية غطاء للسياسة الأميركية في اثني عشر قرار فيتو تدفأت السياسة الأميركية عليها طويلاً، ثم أكملت باحتلالها شرق سورية وتحالفاتها المريبة هناك. ولأول مرة تتقدم إيران الدولة والمشروع والطائفة وينكفىء أندادها على مستوى المنطقة ويتدارون بما يتَصَنَّعون من معارك وأمجاد.
الحقيقة التي نلخص بها المشهد: لم تنتصر الثورة حتى الآن ومايزال ما يملكه الشعب السوري هو الأطيب والأبقى والأكثر، ولم ينتصر بشار الأسد وزمرته، وكل الذي كانوا يملكونه نفِد أو كاد.
ليبقى السؤال عن الغد مفتوحاً.. وماذا بعد الغوطة؟!

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com