أميركا وإيران في منطقة الخليج.. مَن يُشعِل شرارة المواجهة..؟

خلال العام الأول في منصبه رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، طلب دونالد ترامب مراراً من فريقه في الأمن القومي التوجه للبنتاغون لوضع ما يلزم من خطط لتوجيه ضربات للسفن الإيرانية والقوارب السريعة في الخليج العربي وعند مضيق هرمز تحديداً.
وتخشى الولايات المتحدة من استمرار ما تعتبره (استفزازات) من القوارب الإيرانية السريعة التي تقترب بشكل متواصل من السفن الحربية الأميركية في المنطقة، واحتمالات تعرُّض هذه السفن لهجمات مباغتة أو عمليات اصطدم متعمَّدة من قوارب تحمل مقادير من المتفجرات.
وقد طلب البيت الأبيض مؤخراً من مستشار الأمن القومي التوجه للبنتاغون لتزويده بخطة عسكرية لتوجيه ضربات ضد إيران بعد حادثي اعتداء في سبتمبر 2018 تعرضت له منشآت دبلوماسية أميركية في العراق نفذتها مجموعات مسلحة حليفة لإيران.
ولاشك أن البنتاغون يعمل بشكل متواصل لوضع وتطوير خطط عسكرية لمواجهة التهديدات المحتملة حول العالم، إلا أن ما يتعلق منها بتوجيه ضربة جوية لإيران لم يُسلَّم لمستشار الأمن القومي الأميريكي جون بولتون، الذي يكنُّ عداء واضحاً لإيران بلغت ذروته عام 2015 بدعوته عبر وسائل الإعلام لتوجيه ضربات عسكرية تستهدف تدمير المنشآت الإيرانية وإسقاط النظام.
وتتكرر مثل هذه الطلبات مع زيادة حدَّة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية توجيه ضربات صاروخية من قوى حليفة لإيران للمنشآت الدبلوماسية الأميركية في العاصمة بغداد والبصرة، أقصى جنوب العراق.
وقد ظلت وزارتا الخارجية والدفاع الأميركيتان أكثر حذراً في الاستجابة لطلبات البيت الأبيض ومستشار الأمن القومي بوضع خيارات توجيه ضربة عسكرية لإيران.
وتعتقد وزارة الدفاع أن توجيه ضربة عسكرية للقوارب الإيرانية يمكن أن يؤدي لاندلاع حرب سريعة في الخليج. ولم يقدم وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس أية خطة لتوجيه ضربات ضد البحرية الإيرانية حتى استقالته من منصبه في 21 ديسمبر 2018 بعد يوم واحد من إعلان الرئيس الأميركي ترامب عن سحب القوات الأميركية من سوريا.
في المقابل، تحدث مسؤولون في الحرس الثوري الإيراني، مطلع شهر يناير 2019، أن إيران تخطط لرفع قدراتها القتالية لقواتها البحرية عبر تجهيزها بزوارق لايرصدها الرادار وتتميز بخفة الحركة وسرعة المناورة في تنفيذ مهامها بعد تزويدها بصواريخ جديدة فائقة الحركة.
وتضم القوة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني أعداداً كبيرة من القوارب السريعة المجهزة بمعدات حديثة يتم تطويرها مع زيادة حدة التوترات بين الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي الطريق الحيوي الأهم في العالم لمرور الطاقة.
وعلى الرغم من أن القوات البحرية الإيرانية التابعة للجيش الإيراني تتواجد في مياه الخليج، إلا أن البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني هي المسؤول الأول عن قرار الحرب أو السلم وشن الهجمات أو الرد عليها.
وفي الوقت الذي توجه فيه بحرية الحرس الثوري تهديداتها للولايات المتحدة بشكل صريح، فإنها في الوقت ذاته توجه تهديدات مبطَّنة للدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة.
وقد حذر الحرس الثوري من أن قواته مستعدة للرد على أي نشاط عدائي أميركي يمكن أن يقود إلى مواجهات عسكرية مفتوحة قد تستهدف أيضاً دول الخليج العربية التي تعتقد إيران أنها تقف خلف التحركات الأميركية لزيادة تواجدها العسكري البحري في المنطقة.
ولايعتمد الحرس الثوري على أسطول بحري تقليدي لقواته البحرية، وإنما على القوارب السريعة والصواريخ المحمولة المضادة للسفن، وقدرات كبيرة على زرع الألغام البحرية وغيرها من مصادر القوة غير التقليدية.
ومع تصاعد المخاوف الإيرانية من التهديدات الأميركية عملت البحرية التابعة للحرس الثوري على إعادة التموضع في مياه الخليج، وذلك بالتنسيق مع البحرية الإيرانية التابعة لقيادة الجيش التي نشرت أكثر من 53 قطعة بحرية تضم سفناً حربية ومدمِّرات لها وجود مستمر في خليج عدن وباب المندب.
وفي السنوات الثلاث الأخيرة واجهت قوات بحرية أميركية ونظيرتها الإيرانية المزيد من التوترات في الخليج العربي وبالقرب من مضيق هرمز الذي يمر عبره ما لايقل عن 30 بالمائة من النفط العالمي كل يوم.
ويمكن لخطأ أو حادث متعمَّد أن يؤدي إلى مواجهة عسكرية مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران بما يهدد حركة الملاحة الدولية التي تحرص دول العالم على تجنُّب مثل هذه المواجهات التي يمكن أن تؤدي إلى أزمات مالية عالمية.
وتعتقد إيران على لسان وزير خارجيتها، أن وجود أية قوات أجنبية في منطقة الخليج يمكن أن يقوِّض الأمن الإقليمي مما يوجب على إيران أن تدافع عن سلامتها ومصالحها ضد أي تهديد أجنبي.
وإذا كانت إيران لاتنوي شن حرب مع أي أحد، وفق ما نقلته وسائل إعلام عن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إلا أنها تعمل بشكل متواصل على تعزيز قدراتها لمواجهة أية تهديدات محتملة وإرغام الآخرين على احترام إيران.
ويتحدث مسؤولون في الحرس الثوري عن أن المزيد من المصالح والأهداف الأميركية في المنطقة هي تحت السيطرة النارية للقوات الإيرانية، سواء المنشآت العسكرية في قطر أو القواعد الأميركية في الإمارات والكويت والبحرين وأفغانستان، والشركات النفطية في السعودية وكذلك حاملات الطائرات والسفن الحربية الأميركية المتواجدة في الخليج.
ويُعتقَد على نطاق واسع أن أية مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران ستتخذ من الأراضي العراقية ساحة لها ولاسيما بعد زيادة عدد القوات الأميركية القادمة من سوريا والكويت وإعادة نشرها في قواعد ومعسكرات سبق لها أنْ استخدمتها خلال فترة الاحتلال الأميركي للعراق من عام 2003 إلى عام 2011، إذ تمتلك إيران ما يكفي من القوات الحليفة لها لاستهداف وتهديد المصالح الأميركية والجنود الأميركيين في العراق بالخصوص.
وفي إطار حشد الجهود الإقليمية ضد إيران، أجرى مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي جولة شملت ثماني دول عربية في المنطقة لتوضيح رؤية الإدارة الأميركية في مسألة الانسحاب من سوريا والتصدي للتهديدات الإيرانية.
وبعيداً عن كل نقاط التوتر بين البلدين سواء في العراق أو في سوريا، فإن الاحتكاك المباشر بين قوتيهما في الخليج تبقى هي الأكثر خطراً في احتمالات جرهما إلى مواجهة عسكرية مباشرة يمكن لها أن تتسع لتشمل هذه المواجهات الدول الحليفة والشريكة للولايات المتحدة بما فيها السعودية و(إسرائيل) والقوات الحليفة لإيران في العراق وسوريا واليمن.
ولايمكن الاعتقاد باحتمالات الذهاب إلى حرب مفتوحة بينهما وذلك على ضوء إدراك إيران تماماً حقيقة التفوق العسكري الأميركي وقدراته على إلحاق أضرار بالقوات الإيرانية وتدمير المنشآت العسكرية والحيوية في العمق الإيراني.
وفي الغالب، ستلجأ إيران إلى توظيف القوات الحليفة لها في المنطقة لاستهداف المصالح الأميركية والجنود الأميركيين في العراق أو في سوريا التمركزين في معسكرات قريبة من الحدود مع العراق والتي تنتشر على مسافات طويلة منها فصائل الحشد الشعبي الحليفة لإيران، ومصالح الدول الحليفة في المنطقة.
إلى جانب ذلك، يمكن لإيران شن ما يشبه حرب العصابات لاستهداف القوات البحرية الأميركية في الخليج العربي بقوارب سريعة أو بزرع الألغام، إلا أن احتمالات كهذه ستصطدم برد فعل أميركي واسع النطاق، وهو ما تدركه إيران التي لابد أنها تأخذ بجدية التصريحات الأمريكية بالرد على إيران مباشرة إذا استُهدِفت المصالح الأميركية عبر قوات حليفة لها.
إن أي هجوم عسكري أميركي مباشر يستهدف إيران يمكن أن يؤدي إلى اندلاع حرب متعددة الأطراف في المنطقة من غير المحتمل حصْرُها في نطاق قوات البلدين مع وجود قوى دولية وإقليمية من طرفي الصراع تدفع لمثل هذه المواجهات العسكرية.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com