أوروبا إذ اكتفت من «العبيد الأفارقة»!

مقطع قصير بثته شبكة CNN العربية لشاب نيجيري يدعى فيكتوري يبلغ من العمر 21 عاماً وهو من ولاية إدو النيجيرية، وفي طريقه إلى أوروبا، قال إنه قد بِيع كعبد في ليبيا، وأنه قد افتدى نفسه بكل ما يملك، غير أن خاطفه أنكر أخْذ المال فنُقِل إلى مركز احتجاز للمهاجرين بصورة غير شرعية.
القناة الأصلية CNN الأميركية كانت قد سبقت ببث تقرير وثائقي يتحدث عما أسماه بتجارة الرقيق في ليبيا، وأورد معلومات خاصة عن وجود سوق للعبيد خارج العاصمة الليبية طرابلس، يباع فيه المهاجرون (غير الشرعيين) وبأسعار لاتتعدى 400 دولار أميركي.
ووفق تقديرات الأمم المتحدة فإن أكثر من 700 ألف من المهاجرين موجودون في ليبيا في طريق هجرتهم إلى أوروبا، ولقد صار كثير منهم مهدداً بالاحتجاز أو الاستعباد طبقاً لتصريحات أنس العزبي، المسؤول بوكالة الهجرة غير الشرعية في ليبيا، للشبكة الأميركية.
إنه أمر باعث للقلق للغاية، ولاسيما أن هؤلاء المهاجرين خرجوا بدوافع اقتصادية محضة، بما ينأى بهم عن سياق الانتقامات السياسية والصراعات العسكرية التي أفرزت حالات الرق غالباً في التاريخ البشري. وهذا القلق هو ما دعا أكثر من ألف فرنسي إلى التظاهر في باريس (بحسب قناة فرانس 24) احتجاجاً على عودة الرق، حاملين لافتات كُتِب عليها بالفرنسية (لا للعبودية في ليبيا).
حسناً، إنه شعور جميل! لكن أيمكن أن نطمئن كثيراً إلى (فزع) العالم الحر هذا بسبب بعض حالات الاستعباد، وهم رعاته بالأصل على مر العصور؟! ومن جانب آخر، أمِنَ العقل أن نأخذ هذه التظاهرة الصغيرة في إطار إنساني محض أم من العدل أن نراها زهداً من الأوروبيين في العبودية بعد أن صارت عبئاً على القارة العجوز لقرون؟! وهل بمقدورنا أن نتطلع إلى ضمير حي كهذا يُستنفَر في قلب (عاصمة النور) بسبب حالات الرق في بنغلادش التي يباع فيها الروهينغا الفارون من جحيم الذبح والحرق في أراكان في أسواق بثمن بخس لأراذل الناس وتجار الدم والبشر في شبه القارة الهندية، أم أن الضمير انتفض زهداً في جلب عبيد أفريقيا بعد أن راجت تجارتهم على أيدي قراصنة أوروبا طوال قرون، ليس إلا؟!
ربما ثمة قلوب رحيمة بين المتظاهرين تشفق على هؤلاء المهاجرين، لكنها في الحقيقة استثناء لسلوك أوروبي وحشي أفرز أكبر عملية استعباد في التاريخ الإنساني كله، قام فيها الأوروبيون في القرنين السادس عشر والذي يليه بأسر أكثر من مائة مليون أفريقي وبيع من بقي منهم على قيد الحياة (يقدرون بنحو الثلث أو الربع) في رحلات بحرية مميتة لتجار في الغرب، وفقاً لشهادة علمية أكاديمية فرنسية موثقة، قامت بها الباحثة الفرنسية البارزة جاكلين بيوجيو البروفيسور الفخري بجامعة باريس، رئيسة الجمعية الجغرافية الفرنسية السابقة (1917-1995)، والتي أوردها المفكر الاستراتيجي المصري البارز د. جمال حمدان في كتابه (استراتيجية الاستعمار والتحرير)«1» والذي قال فيه معلقاً على تلك المعلومة المرعبة: «كان عصر النخاسة الذي لم يعرف العالم له مثيلاً من قبل ولا من بعد».
وتلك كانت بالتالي أسود نقطة وأبشع وصمة في تاريخ الاستعمار العالمي. فقد كان الرقيق أغلى سلعة في التجارة الاستعمارية، وبخار آلة المركانتليه إنْ لم يكن وقودها الأسود، وعليه بنت القوى البحرية اقتصادها ورخاءها. ومن الصحيح كل الصحة أن نقول إن لشبونة وليفربول قد بنيتا على عظام الرقيق الأسود ودمائه. وقد شهد المحيط الأطلسي مثلثاً دموياً يدور مع عقارب الساعة (التجارة المثلثة كما تسمى) تبدأ فيه السفن بنقل بضائع ومصنوعات بريطانيا إلى غرب أفريقيا حيث تستبدل بها شحنات آدمية، ثم تنطلق عبر المحيط لتفرغها في أميركا الشمالية والوسطى والجنوبية، ومنها تعود محمَّلة بمحاصيل المداريات من سكر وروم وقطن وتبغ …إلخ. وكان هذا الاستعمار أو بالأحرى الاستخراب الديموغرافي نزيفاً بشرياً رهيباً أصاب القارة بفقر الدم والضمور»«2» .
المؤلم أن (الضمير الحي) هذا لم ينبعث في أوروبا إلا حالما حلت الآلة مكان العبيد، وأصبح الرقيق عبئاً اقتصادياً على أوروبا، ثم غدت أوروبا بحاجة لنوع من التوظيف بشكل أكثر أناقة؛ فسمحت بهجرات محدودة لذوي المؤهلات المتميزة والعمال المهرة فيما تلا حروبها العالمية الدموية، ولقد أنتج الاستخراب الذي أحدثته أوروبا في قارة أفريقيا عِوَزاً وحاجة دائمة دفع المساكين لتكرار رحلات أجدادهم ولكن بشكل طوعي؛ فانتعش الاسترقاق الطوعي المقنن، ثم تراجع مع الركود الاقتصادي الحالي في أوروبا. ذاك الركود الذي جعل أوروبا تنتفض رفضاً للاستعباد الفج، وترفض هجرة أحفاد العبيد إليها لاعتبارها هجرة غير شرعية، بينما اعتبرت هجرة عبيد القرنين السادس العشر والسابع العشر شرعية!
ــــــــــــــــــــــ
1 Jacqueline Beaujeu- Garnier, Géographie de la population, II, p.39
-2 د.جمال حمدان، استراتيجية الاستعمار والتحرير ص 82-83 .

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com