أوزيل.. وأروع هدف يحرزه في مرمى الفاشية

حتى هذه لاتدعو للعجب! أنْ تختطف هذه العبارة من أمام عينيك وأنت تقرأ بيان اللاعب الألماني مسعود أوزيل ذي الجذور التركية من صفحته على (تويتر)، فتضن بها وسائل الإعلام عليك، رغم أنها موجودة في البيان الذي حظي بإعجاب ثلث مليون متابع، فتختفي من معظم وسائل الإعلام العالمية، والعربية بالتبعية. قال أوزيل: «ما المعايير التي يمكنها أن تجعل من المرء ألمانياً خالصاً؟! لايبدو أنه تنطبق عليَّ هذه المعايير؛ فصديقاي لوكاس بودوليسكي، وميروسلاف كلوزا، لم يُشَر إلي أيٍّ منهما كألماني بولندي؛ فلماذا أُنعت أنا وحدي بالألماني التركي؟ هل لأني تركي؟ هل لأنني مسلم؟!».
قنبلة أوزيل، أغلى لاعب في التاريخ الألماني كله، وصاحب أكبر صفقة (42 مليون يورو) مع فريق الآرسنال الإنجليزي، وقائد الفريق الألماني لكرة القدم في كأس العالم 2014، لم يستطع الإعلام العالمي أنْ يتجاهلها، لكنه انحرف بأصلها عن الإسلام مكتفياً بإبراز الجانب التمييزي على أساس عِرْقي فقط.
اللاعب الأبرز في ألمانيا، وسفيرها الكروي في العام 2015، والفائز في العام 2010 بجائزة (بامبي) الإعلامية الشهيرة «كمثال ناجح للاندماج»، والمتنازل عن جنسيته التركية قبل ذلك بثلاثة أعوام رغم افتخاره الدائم بجذوره التركية، لم يشفع له ذلك في تقَبُّله من جانب الألمان ومسؤوليهم كأول لاعب يخترق جدار العِرْق الآري في المنتخب الألماني وينضم إليه بل ويقوده؛ فانهالوا عليه نقداً بسبب صورة ضمَّته مع الرئيس التركي، وتعزَّز الهجوم الإعلامي العنيف جداً عليه إثر خروج ألمانيا من الدور الأول في كأس العالم، وهو ما لم يحدث منذ 80 عاماً؛ فحَمَّله الإعلام الألماني وحده المسؤولية عن هذا الإخفاق! وهذا ما دعاه لاعتزال اللعب الدولي، ورفْض ارتداء قميص ألمانيا مستقبلاً.
على أن هذه الصورة لم تكن هي أصل المشكلة في الحقيقة، فقد فعلها مثله اللاعب لوثر ماتيوس مثلما ذكر أوزيل في بيانه، مع رئيس آخر ولم تحدث مشكلة؛ فالقصة بدأت قبل ذلك بسنوات، ورصدتها صحيفة (البيان) الإماراتية أكثر من مرة، عن الجانب (الديني) في شخصية أوزيل، فرغم كون اللاعب المولود في ألمانيا قد عاش حياة غربية مترَفة إلا أنه أقنع فتاة ألمانية بالإسلام، ووعد مسلمي البرازيل ببناء أربعة مساجد وأوفى، وزار البيت الحرام أكثر من مرة، وفي أحدها – كما بالصورة المرفقة – في العام 2016 نشر صورته بجوار الكعبة المشرَّفة بملابس الإحرام في صفحاته على وسائل التواصل.
وشهد موقع (فيسبوك) وحده خلال 24 ساعة من نشْر الصورة تسجيل إعجاب أكثر من مليوني مستخدم، وأعاد إرسالها أكثر من مليون آخرين، وعلَّق عليها نحو 50 ألف مستخدم، وهي صورة أزعجت كثيراً المسؤولين الكرويين الألمان.
وزاد من (ألمهم) وصْفُه لنفسه بقوله: «أنا مسلم ملتزم، أداوم على الصلوات الإسلامية، وأمارس الشعائر، وأحاول تطبيقها، وكذلك أقرأ سورة من القرآن الكريم قبل بداية كل مباراة، أفعل ذلك دائماً، وقبل أن أخرج إلى الملعب أقوم بالصلاة والدعاء إلى الله سبحانه وتعالى بأنْ يوفقني ويساعدني في مهمتي»، وأكمل: «كل زملائي يعرفون أنهم لايستطيعون التحدث معي خلال هذه الفترة القصيرة»، وشهد أحد هؤلاء الزملاء، وهو رونالدو أفضل لاعب في العالم له بتأخره في النزول إلى الملعب بسبب صلاته في غرفة الملابس، وبكى حينما استُشهِد الطفل الفلسطيني أبودقة 12 عاماً، أثناء لعبه مرتدياً قميص أوزيل أثناء قصف وحشي صهيوني، وكتب أوزيل حينها: «لقد استُشهِد الطفل الفلسطيني الصغير وهو يلعب كرة القدم مرتدياً قميصي. إلى كل الضحايا الأبرياء، أنا أدعو لكم، الحرية لغزة، الحرية لفلسطين».
«هل لأنني مسلم؟!»، قال أوزيل في بيانه ذي الصفحات الثلاث المفعم بالمرارة، والذي فجَّر فيه قنبلة كبيرة في وجه العنصريين، أو كما نص وزير العدل التركي عبدالحميد غول على أن أوزيل قد «سدَّد أروع هدف ضد فيروس الفاشية»، أو كما كتبت وزيرة العدل الاتحادية الألمانية كاتارينا بارلي: «إنها إشارة إنذار عندما لم يعد لاعب ألماني كبير مثل مسعود أوزيل يريد أن يكون في وطنه بسبب العنصرية، ولم يعد يشعر بأن الاتحاد الألماني لكرة القدم يمثله!».
وقال أوزيل «بقلب مفعم بالأسى، وبعد الكثير من التفكير بسبب الأحداث الأخيرة، لن أعود لألعب على المستوى الدولي ما دمت أشعر بهذه العنصرية وعدم الاحترام تجاهي. عندما نربح أنا ألماني وعندما نخسر أنا مهاجر!».
وقد أفضى بكل ما يعتمل في نفسه، وباح بمشاعر المرارة والألم التي انتابته في واحد من البيانات الرصينة القوية؛ فأحدث زلزالاً وكشف أموراً تستُرها دبلوماسية الساسة وأوهام التعايش، فوضعت الأوراق على الطاولة، واحتدم النقاش ليس في ألمانيا وحدها، بل في أوروبا كلها، وبرزت قضية المهاجرين مجدداً، وتزعزعت أكذوبة التعايش والمساواة، وظهرت القضية بشكل أكثر صراحة، حتى إن مقتطَفاً مهماً للكاتب جعفر عبدالكريم المقيم في ألمانيا من مقالة نشرها بعنوان (أوزيل عبر عما في قلوبنا) في موقع DW النسخة العربية، قد باح بكثير من المستور تحت غشاء التعايش الواهن، يقول الكاتب: «إذا كنت من ذوي أصول مهاجرة وتخرجت من الجامعة، فإن إيجاد فرصة للعمل ستكون أصعب بالنسبة لك من رفاقك الألمان، حتى ولو كانت درجاتك أفضل. وإذا كان اسمك محمد أو عبدالله، فإنه ينبغي عليك أن تنتظر شهوراً حتى تستطيع إيجاد شقة، ولفترة أطول مقارنة بالألمان. وإذا قمت، كعربي، بإطالة لحيتك، فإنك تعتبر سلفياً فجأة. وإذا كنت ضمن مجموعة، غالبية أفرادها ألمان، عندها فأنت تمثل البلد الذي ينحدر منه والداك ولست «ألمانياً بما فيه الكفاية» لتنتمي إلى تلك المجموعة».
ويقول دانييل رايكي الكاتب في مجلة (دير شبيغل): «اعتزال أوزيل يعني فشلاً للاتحاد الألماني لكرة القدم برئاسة راينهارد غريندل الذي لم يتعامل جيداً مع الموضوع، لافتاً إلى أن أكثر من 30 في المائة من الشعب الألماني، هم تحت سن العشرين، وهم من أصول مهاجرة، ومنهم عدد كبير يلعب الكرة»، وتستطيع أن تضيف لرايكي كذلك أن ثلث لاعبي فريق تحت 21 سنة في ألمانيا هم من المهاجرين كذلك.
ليس وصف رئيس فريق بايرن ميونخ لأوزيل أن وجوده في المنتخب الألماني «كان مقرفاً»، وليس تعديات الإعلام الألماني، مجرد شذوذ في التفكير، فما بدا أن الخط الرسمي كان مؤيداً لها، وخصوصاً إذا علم أن رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم غريندل قال حين كان نائباً في البرلمان الألماني في العام 2004 إن «التعدد الثقافي في ألمانيا كذبة».
والحق أن غريندل وإنْ بدا وقحاً مع أوزيل، إلا أنه لم يبتعد عن الحقيقة كثيراً، فقضية أوزيل نكأت جراحاً كان يتعين أن تُفتح، وتناقَش على مستوى فكري عالٍ، يضع فكرة الاندماج نفسها على طاولة المسلمين قبل الغربيين: ما الذي يقصده الأوروبيون والأميركيون حقيقة بلافتة (الاندماج) الخادعة؟! هل يعني نسيان الجذور الدينية والعِرْقية تماماً؟! هل تعني الفاشية الأنيقة؟! هل تعني التخلي عن الدين والتراث وحرق ذكريات الماضي؟!
إذا كان أوزيل نفسه الذي قدِمت عائلته إلى ألمانيا من تركيا قبل نصف قرن لم يحصل على الاحترام الكافي بين (المسيحيين) أو (الآريين)، وهو الذي يفيد ألمانيا كثيراً جداً عما تفيده هي، ويدفع لها ضرائب باهظة من دخله البالغ 15 مليون جنيه إسترليني، وطالما دفع بمنتخبها للصدارة، أفيحصل عليه مهاجر عربي تقاذفته أمواج البحر لاجئاً معدَماً؟! أو يمكن أن يناله معتز بدينه حريص عليه هناك؟!
إن قضية أوزيل ليست شخصية لنُقَزِّمها، بل هي عنوان استحقاق ضميري وفكري مهم، آن وقتُ بسْطِه ونقاشه، وهو يعني ملايين المسلمين في أوروبا الذين باتوا يشعرون يوماً بعد يوم أنهم غرباء حتى وهم مواطنون حقيقيون في بلادهم الأوروبية التي وُلِدوا فيها وتعلموا في مدارسها وجامعاتها. علينا أن نناقش بكل شفافية فكرة (الاندماج) البراقة التي بدا أن لها طبيعة خاصة ترمي إلى تجريد المسلم من هويته ودينه تدريجياً لكي ينال مزايا (الاندماج). أوزيل الحاصل على جائزة الاندماج نفسه، انتُزِعت منه حينما تمسَّك بشيء من جذوره وقَدْراً محدوداً من أصالته وهويته، فكيف يحظى بالرضا الغربي ملايين البسطاء؟!

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com