أين البدائل في حياتنا..؟

هاجر مزارع هولندي يُدعى (فان كلويفرت) إلى جنوب أفريقيا للبحث عن حياةٍ أفضل، وكان قد باع كل ما يملك في وطنه على أمل شراء أرضٍ أفريقيةٍ خصبةٍ يحوِّلها إلى مزرعةٍ ضخمةٍ. وبسبب جهله وصِغر سنِّه دفع كل ماله في أرضٍ جدباء غير صالحة للزراعة. ليس هذا فحسب بل اكتشف أنها مليئةٌ بالعقارب والأفاعي والكوبرا القاذفة للسم!، وبينما هو جالسٌ يندب حظَّه وفشله خطَرت بباله فكرةٌ رائعةٌ وغير متوقعة!
لماذا لاينسى مسألة الزراعة برُمَّتها ويستفيد من كثرة الأفاعي من حوله لإنتاج مضادات السموم الطبيعية؟ ولأنَّ الأفاعي كانت موجودةٌ في كل مكان، ولأن ما من أحدٍ غيره متخصص بهذا المجال، فقد حقَّق نجاحاً سريعاً وخارقاً، بحيث تحولت مزرعته اليوم إلى أكبر منتِج للقاحات السموم في العالم!
من هنا يتوجب علينا أن نُدرك أهمية البحث في داخلنا عما وهبه الله لنا من مهاراتٍ وقدراتٍ تجعلنا متميزين عن الآخرين، وأن نقتني الفرص التي بين أيدينا ونستثمرها جيداً لتعود بالفائدة لنا وللناس، عندها سيكون لنا شأنٌ في الدنيا ولن نكون ضمن أصفارٍ على اليسار!
ثقافة (البدائل) ماتزال صفراً في قاموس الكثيرين، وماتزال مجهولة الهوية عند البعض. نجد أحدنا يقف عاجزاً عن إكمال مشروعات (العلمية، التعليمية، التجارية، الدعوية، الاجتماعية، الإنشائية، الاقتصادية …إلخ) لمجرد أنه وجد (عقدةً في منشاره)، فهو لايعرف سوى هذا المنشار يشحذ به هممه.
تتأخر رحلته الجوية أو تفوته الطائرة فيملأ أرض المطار صراخاً وعويلاً، ويقف عاجزاً عن البحث عن بديلٍ مناسبٍ. تفوته فرصة الالتحاق بوظيفةٍ ما فلايعرف إلا طريق الشكوى لتضيع أيامه في متابعةِ شكواه بين دهاليز الإدارات والأقسام. وإذا فاته مقعدٌ في جامعةٍ نراه يقف عند أبوابها يرجو هذا ويطلب ذاك، فمعالجة الأمور وقفت عنده بين لونين اثنين فقط (أسود أو أبيض)، مع أن المنطقة الرمادية قد تكون أوسعَ مساحة وتحقيقاً للفائدة! وهناك من أكسبته الحياة خبرةً فتراه يبحث في البدائل ليجد الأنسب فلاتضيع عليه فرص الحياة.
وأنا هنا لا أدعو إلى الاستسلام وعدم المطالبة بالحقوق لمن يستحقها، فمن عرف حقه عزَّ عليه أن يراه مُغتصَباً، ومن عرف حقوقه عزَّ عليه أن يراها مهضومة، ومن يتنازل عن حقه فقد تنازل عن صفته كإنسان. وهناك مثل جميل يشير إلى أن (الحق كالفلين) دائماً ما تراه يطفو ولايغوص شرط أن يجد من صاحبه صبراً وجهداً وسعياً إليه!
فئة أخرى من الناس ممن ألهمهم الله حكمةً وذكاءً وبصيرةً، نجده يبحث عن البديل عن الرحلة الفائتة والوظيفة المغتصبة ومقعد الدراسة المسلوب، والفتاة التي خطبها غيره، والمنزل الذي اشتراه آخر، والخبز الذي لم يجده في الفرن، والطفل الذي لم ينجبه، والشمعة التي انطفأت في حياته.
(البديل) لايعني أن تصرف نظرك عن تحقيق أهدافك، وإنما هو البحث عن طريقٍ آخر فلعله يكون هو الأفضل وفيه الخير الكثير. أنظر إلى النملة.. راقبها جيداً وهي تسير، وقم بوضع مادةٍ صلبةٍ أمامها، فسرعان ما تُحوِّل وجهة سيرها، فهي لاتقف، ولاتصرخ، ولاتطلب من عشيرتها الحضور لإزالة هذا الجسم الصلب!

في الختام:
يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «وقد عرفت بالبديل أن الهمة مولودة مع الآدمي، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حُثَّت سارت».

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com