أيها السوريون: استراتيجتهم تنحية قضيتكم.. فلاتعِيْنوهم

قد لايجد المرء أسباباً مقنعة ومباشرة يفسر بها انفجار المنطقة العربية بهذه التشققات المرافقة لسيل من الصخب والضوضاء، التي خرجت في عنفها وتسَفُّلها على كل معقول ومعروف ومألوف مما يلحقه العقلاء والفضلاء بسفاسف الأمور التي يكرهها الله ورسوله.
ليس من وارد في سياق هذا النداء الذي يدعو إلى التسامي فوق الشقشقة والجعجعة والارتداد على الذات، أن نخوض مع الخائضين، وأن نحلب في آنية المدعين، بل إن الأهم بالنسبة إلينا في سياق ما نحن فيه من حرب مصيرية يستهدف في أمتنا وجودها وعقيدتها وهويتها أن نُعرِض عن الجاهلين، وننشغل بالذي هو خير من أمر الحفاظ على الوجود والعقيدة والهوية والعرض والأرض.
أيها السوريون.. إن قضيتنا اليوم هي قضية وجودنا وهويتنا وحاضرنا ومستقبلنا. ونحن أيها السوريون جميعاً، لسان ميزان أهل الشام، وأهل الإسلام من الأرض المباركة، الذين أسند إليهم صاحب الرسالة الأول، دون غيرنا، تمثيل الفئة الظاهرة في القيام على دعوة الحق، وفي الشهادة على الناس.
إن الرجل العظيم لايستشعر عظمته من ظرف (زماني/ مكاني) يحيط به. إن الشخصيات العظيمة، والجماعات العظيمة، والشعوب العظيمة؛ إنما تستمد عظمتها من شعور مكين تستمده من حقائق العقيدة، ومقومات الإيمان، وتراث المجد تتوارثه كابراً عن كابر.
على رمضاء مكة كانت سمية وياسر وعمار وبلال وخباب وزنيرة وصهيب أعظم العظماء. في ثياب الأعرابي المهلهلة خرَّق ربعي بن عامر نمارق كسرى ورستم فخرق مظاهر العظمة الكاذبة ليقر القيم الحقيقة لِما هو أكبر وأعظم. إن الذين يتخلون عن دورهم التاريخي المناط بهم، تحت دعوى (الواقعية) المقيتة، هم الخائبون الحاملون لألوية الانكسار والتخاذل والاستسلام. وإنها لذلة ما بعدها ذلة أن يستمد الفرد عظمته وقوته مما في بطنه، أو مما على جسده، أو مما في جيبه!
أيها السوريون.. لقد بشرنا ربنا سبحانه «وأنتم الأعلون إنْ كنتم مؤمنين»، وإن إيماناً لايورِث صاحبه شعورا بالاستعلاء على سفاسف الحياة، ونوائب الدهر، وأقزام أهل الباطل، إيمان مدخول، أو منقوص، على أصحابه أن يراجعوا أنفسهم، وأن يتأكدوا مما وقر في قلوبهم.
أيها السوريون.. سبع سنوات مرت على انطلاقة ثورتكم العظيمة، ثورة الحق على الباطل، والنور على الظلمة، والعدل على الظلم، والمساواة الإنسانية على ادِّعاءات العنصريات الفئوية، والسلام والحب على الوحشية والقسوة والقتل والتدمير. وقد ظل أشرار العالم خلال السنوات السبع جاهدين، في طمْس معالم هذه الثورة، وتشويهها، وحرْفها عن مساراتها، واستئجار المرتزقة والأغبياء لفرض أجنداتهم عليها، ثم انتهى الأمر بأعداء شعبنا في هذه الجولة، أن يُنَحُّّوا أمر هذه الثورة عن الأجندة الإنسانية والأجندة السياسية والأجندة الخبرية، فاخترعوا كل هذا الذي نرى ونسمع ونتابع، من صور وألوان وأصوات بلا معنى، ولا دلالة، غير تغييب صوت الحق تحت ركام ادعاءات أهل الباطل.
أيها السوريون.. لو أن صاحب كل قضية عادلة، دافع عن قضيته كما دافعتم عن قضيتكم، وضحى من أجلها كما ضحيتم، لَما بقي على وجه الأرض وطن محتل، ولا شعب مقهور، وستنكسر بإذن الله دوائر الشر والمكر والبغي التي أعاقت انتصاركم، والتفت على عدالة قضيتكم، وسوف يبلغ الكتاب أجله، ويصير الحق إلى مستقره، فاطمئنوا إلى وعد القادر القائل «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ». والويل لأعداء الله وأعداء الإنسان وأعداء الشعوب مما يصفون.
أيها السوريون.. إن مما يريبنا في مشهد الصراعات العبثية، ورطانات أهل الباطل وحزبه وجنده، انجرار بعض أهل الحق إلى معركة (قيل وقال). ومن قبل كره لنا رسولنا صلى الله وسلم عليه قيل وقال.
أيها السوريون.. إن الحي ناطق والميت صامت. ولسان الفتى نصف ونصف فؤاده. ولايستوي البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج. «وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَيَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَيَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ».
يريبنا في هذه الأيام الصعاب تَواري بعض أصحاب الحق عن ساحتهم، وركنوهم تارة إلى ظالم، وصمتهم أخرى عن حق، ومداراتهم ومماراتهم وتشاغلهم بالذي هو أدنى، وانشغالهم عن الجلّى.
وينسى هؤلاء أنه لابد لكل الحق من حامل، وكلمة الحق في مقامها تورث مقام سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب. وأن الناطق بالحق بكلمة حق يُعَلِّم جاهلاً، أو يُذَكِّر غافلاً، أو يشجع متردداً، أو يقمع طاغية جباراً متكبراً. في زمن الفتنة أفلح من سبق إلى كلمة مضيئة تبدد الظلمة، وتسن السنة الحسنة، فيكون للسابق إليها أجرها وأجرمن قال بها إلى يوم القيامة.
أيها السوريون.. لاتمكنوا الطغاة والمجرمين وأعوانهم وشركاءهم من تنحية قضيتكم عن واجهة الحدث الإنساني والدولي والإسلامي والعربي والوطني. ليس لأحد في هذا العالم أن يدعيَّ عليكم، أو أن ينخر بين يديكم. لاتمكنوا أحدا من تنحية قضيتكم ولا من إزوائها، فلا قضية اليوم تحت قبة الفلك أعدل من قضيتكم، ولا مظلومية أفدح من مظلوميتكم، ولا كلمة حق تقال فتبلغ عرش الرحمن مثل دعوة تخرج من مظلومكم؛ فكفوا عن التراخي والتهاون والاسترسال على خطا الطغاة أو الخاذلين والمتخاذلين.
أيها السوريون.. ألظّوا بالحديث عن قضيتكم، واجعلوا هجيراكم ترداد ثوابت ثورتكم، والتنديد بعدوكم، والانتصار لمن استرعاكم الله أمره «مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَيَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَيَهْتَدُونَ سَبِيلاً». وتحابُّوا وتوادُّوا وتعاونوا، وغُضُّوا عن خطايا الأفراد، ووسِّعوا قاعدة «وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَتَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ».
أيها السوريون.. وكما أعلمكم ربكم «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا» اعلموا أن بشار الأسد لكم عدو فاتخذوه عدوا، وإن بوتين لكم عدو فاتخذوه عدوا، وإن ملالي طهران لكم أعداء فاتخذوهم أعداء، وأن حسن نصر الله وحزبه ومن يؤيده لكم عدو فاتخذوه عدوا، عدواة لايجادِل فيها إلا جاهل، ولايداور حقائقها إلا مناور صاغر.
أيها السوريون.. كما كانت ثورتكم حقاً فإن نصركم حق، وغدكم حق. وما ضاع حق وراءه مدافع أو مطالب.
فاصبروا وصابروا، واحضروا ولاتغيبوا، وانطقوا ولاتصمتوا، ففي معركة الحق والباطل من دفع الباطل بيده فهو مؤمن، ومن دفعه بلسانه فهو مؤمن، ومن دفعه بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com