إلى أين نحن سائرون..؟

«١»
قدمت القرارات الملكية في السعودية فرصة ذهبية للتحليلات لا مجرد التكهنات! إذ إن نوعية القرارات وإنْ كانت تعني الداخل السعودي بشكل خاص، لكن انعكاساتها باتت واضحة للعالم في خارج السعودية بشكل لافت.
فالتيار (التويجري) بمن فيه من وزراء معنيين وكُتَّاب صحف معروفين، خرجوا من المشهد بأعيانهم، وهم كانوا خصوماً لمزاج الشعب ونفَسه.
إن هذه الإزاحة (الإطاحة) توافقت مع المناخ السعودي الحريص على التدين العام، المساير لخط الأمة في رفض التدخل الصفوي في المنطقة على حساب تدمير المكونات العربية فيها، ومن ثم السيطرة على محاور حيوية.
ومزاج المجتمع السعودي يختلف عن توجهات التيار (التويجري)، فهو مجتمع ميَّال إلى العمل الإسلامي المعتدل، بدون تأطير أو ترهيب، وله مجهودات طيبة في ذلك، انعكست على العمل الخيري، وكسب التأييد لمجهوداتها التي تخفف المعاناة عن ملايين المسلمين.
فالعقل والقلب السعودي الجديد هو القديم في الأصل، ترتكز فيه رغبة عارمة لفعل الخير والدعوة إليه، ونبذ العنف وعدم مد اليد إلى المتطرفين والانقلابيين، وفيه من صفات الأجداد من الأسلاف حب نشر العلم والفضيلة، ومن مكارم الأخلاق العربية الأصيلة ما يدعو إلى الفخر، من نصرة للمظلومين، وإغاثة للملهوفين، والحياد مع المتنافسين، دون تدَخُّل يقلب الأوضاع ويوترها، أو يجلب على المملكة السخط والنقد والإساءة من ملايين العرب والمسلمين.
والقوة الناعمة، وسياسة التفاوض الحكيمة الطويلة، وفتح الأبواب بحق للسماع هو المنتظر والمأمول في فترة تعيد التوازن على أقل تقدير، وتلغي لغة التخوين والتصنيف في مجالات الإعلام وساحات العمل، وسيكون ذلك أفضل وأقوى كلما كان الحوار مع الجهات العليا أمتن وأصدق وأبرَّ وأكثر مصارحة؛ وذلك من خلال شخصيات ذات مصداقية ووعي وحضور.
«٢»
لن يكون بضغطة زر، ولا بمجرد تحالف علني حدوث تغيير سريع للأوضاع في المناطق الملتهبة المحيطة بالخليج ابتداءً، لكن مما لاشك فيه أن (تحالفاً سعودياً تركياً قطرياً) سيعني الكثير في المسألة الإيرانية (الحوثية/ السورية)، وهو تحالف لايلغي التحالفات الأخرى المطلوبة عربياً وغربياً، ولكنه يعني سهولة وسرعة للتفاهم واتخاذ القرار الملائم، وتقوية الصمود العسكري والاقتصادي بين بلاد إسلامية لاتتنازع فيما بينها ولاتختلف على الالتحام في القضايا الكبرى، دون رضوخ لأية ضغوط، أو انتظار احتمالات جديدة كما حصل في اليمن بعد التوافق والتقارب الأميركي/ الإيراني.
ولأن (داعش) ما هي في الأصل إلا نتيجة (أميركية/ إيرانية)،أميركية زمن احتلالهم للعراق، والاستيلاء على مناطق الثروة، وإيرانية في الحكم الظالم وتصفية أهل السُّنة.
وحتى لاتنشأ (داعش) جديدة من المنبت نفسه؛ فإن تقارب البلاد المستقرة الحكيمة ذات الجذور الدينية الوسطية، الاجتماعية، القيمية، السياسية، الاستراتيجية، ستكسب المنطقة – بعد توفيق الله – قوةً وهيبةً.
«٣»
لاشك أن حملاً ثقيلاً سيكون في هذه المرحلة على عاتق العلماء والمفكرين والدعاة والمثقفين؛ ليمدوا الأجيال المتطلعة لمستقبل آمن ومستقر، بالمزيد من العلوم الشرعية والفكرية التي ترقى بفهمهم الشمولي في شؤون دينهم وبخاصة المستجدات، ووعيهم الحاضر في شؤون دنياهم وبخاصة السياسية.
وحتى يتم لهم ذلك فإن عليهم أن يكُفُّوا عن التكرار والتقليد، وأن يتجاوزوا ما هم فيه من ضمور المعرفة، وتهوين الفكر، واستصغار الشباب، ولابد أن يُعلوا من صوت الخطاب الوسطي، وتفكيك خطاب العنف، في مقابل تزويد الأجيال وتسليحها بالعلوم الإنسانية الجادة، وتطوير آليات الخطاب في المنابر والميادين.
فهذا أوان وجودهم وإثرائهم، وعلى الضعيف منهم أن يتقوى في المعارف الناقصة؛ لأنه «من أعظم مشكلات المسلمين: العلم الناقص» كما يقول الأمير شكيب أرسلان.
«٤»
في زمن الانتظار السياسي فإننا كالمسافر في صالة الانتظار لايدري أتتحرك به الطائرة في موعدها أم لا، وهذا نقبله في باب القَدَر، لكن في زمن القوة والعلم والمعرفة والتحالفات والتنافس فإن وجودنا في قُمْرة القيادة واجب المرحلة؛ إذ يكفي ضياع الوقت والمال والتفكير خارج مسارات التحليل الصحيح والوجهة المأمولة.
يكفي زمن الغفلة السياسية، ومصارعة الداخل، ومخالفة الآخر، واستنزاف الجهود والعقول والنفوس، والطيبة الساذجة، والسطحية القاتلة!
ولايعقل بعد كل ما مضى أن تكون كل طاقات الوطنيين الإسلاميين بكل خبراتهم وصلاحهم ووعيهم في مسرح المتفرج، لا في دائرة المتنفذ.
نحن في زمن يحترم العقلاء النابهين، ويلفظ البُلَهاء المعتوهين، وعلينا الاختيار!
الاحترام: خُلُق، وصدق، وانفتاح، ووعي، وممارسة، وجد، وتجديد، ونظام، وقرار، وأدوار، ومنابر، وتحالف، ومشاركة، ونفوذ.
والعَتَه: تسليم، وفوضى، وتسَرُّع، وجمود، وتقليد، وفوقية، واتهام، ونوم في اليقظة، وانتظار لتفسير الأحلام!
والمساران مفتوحان للسائرين!

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com