اقتصاد المعرفة وبلوغ المرام للمجتمعات العربية والإسلامية

تشكل التحديات الحضارية باستمرار محطات لتقدم الشعوب وتطورها ومساهمتها في الركب الحضاري، وتعتبر المعرفة الصفة الأساسية للمجتمع الإنساني الراهن، ومن خلالها تحققت معظم التحولات العميقة والمهمة في كل مجالات الحياة لِما لها من علاقة عضوية بتنمية المجتمعات الإنسانية؛ فالمعرفة هي أحد المكتسبات المهمة للاقتصاد والمجتمع. فبناء القدرات الإنسانية وتطويرها باعتبارها العنصر الإنتاجي الرئيسي والمحدِّد الأساسي للإنتاجية إنما ينطلق من تطوير كفاءة وقدرات الموارد البشرية.      
ولقد أصبح الاهتمام العالمي بالتحول إلى الاقتصاد المعرفي الذي يقوم على فهْم جديد أكثر عمقاً لدور رأس المال البشري في تطوير الاقتصاد وتقدُّم المجتمع يشكل حيزاً كبيراً من الاهتمام العالمي الذي بات اليوم يتعامل مع صناعات معرفية تكون الأفكار منتجاتها، والبيانات موادُّها الأولية، والعقل البشري أداتها، حتى باتت المعرفة المكوِّن الرئيسي للنظام الاقتصادي والاجتماعي المعاصر.          
ولو بدأنا بما ذكَرَته تقارير التنمية الإنسانية العربية المتتالية لوقفنا على حقيقة درجة التطور المعرفي في الوطن العربي؛  فقد أبرزت التقارير أن أحد أهم النواقص في الدول العربية هو موضوع استخدام المعرفة، وتكريس البحث المعمَّق لمسائل المعرفة ومجتمع المعرفة، ويقيِّم حال اكتساب المعرفة على صعيدي النشر والإنتاج.      
إن واقع الحال في البلدان العربية يؤكد حقيقة النقص الكبير في القدرات التي يسببها عدم كفاية نُظُم التعليم، وكذلك انخفاض الاستثمار وبشكل كبير في مجال البحث والتطوير، كما أن استخدام المعلوماتية أقل من أي مكان آخر في العالم.
وتؤكد تقارير التنمية العربية أن يحتاجه الوطن العربي هو توافر الإرادة السياسية للاستثمار في القدرات البشرية والمعرفية التي بنيت على أسس ضعيفة، وضرورة زيادة الإنفاق على التنمية لتستفيد قطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي والتقني من ذلك، وإعطاء العامل الإنساني ما يستحقه من اهتمام.       
القرن الحادي والعشرون الذي حل من قريب هو قرن الاقتصاد المبني على المعرفة؛ والعالم المعاصر يشهد متغيرات كبيرة في ظل التوجه نحو العولمة والخصخصة والاندماجات الاقتصادية.  
وإزاء كل ذلك يصبح موضوع صياغة استراتيجية للعلم أمراً على قدر كبير من الأهمية لإنجاز تنمية شاملة اقتصادية واجتماعية في البلدان العربية.
إذاً لو ذهبنا إلى الأبعاد الجوهرية في تنمية بشرية عربية حقيقية فسنجد أن التطور في الاقتصاد المعرفي سيعجِّل في التطور العلمي والتكنولوجي في البلدان العربية. ومن هنا ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار عند وضع الخطط التنموية قيام تناسب عقلاني بين أهداف التنمية الاقتصادية وبين حجم الموارد الطبيعية والاقتصادية، انطلاقاً من درجة التطور التكنولوجي في العالم. كما أن التنبؤ بمستوى التقدم التكنولوجي سيحدِّد إلى درجة كبيرة مستقبل التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وبالتالي لابد من جعْل التطور العلمي والمعرفي قطاعاً من قطاعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعنصراً مكوِّناً من عناصر التخطيط لهذه التنمية. 
ولاشك أن هناك معيقات كثيرة تحول دون تحوُّل الاقتصادات التقليدية إلى اقتصادات معرفية، نذكر منها: الفجوة الرقمية، والأمية الإلكترونية، وعدم تدفق المعلومات بشكل كامل إلى كل أفراد المجتمع، وضعف الاهتمام بالبحث والتطوير.
وخلاصة الأمر أنه يمكن القول إن المعرفة تُعتبَر بالنسبة للمجتمعات التي تسعى لتحقيق التنمية الشاملة مسألة حاسمة. وتمثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأدوات الأساسية لتحقيق التقدم المؤسَّس على الاقتصاد المعرفي والتحول الحقيقي باتجاه استغلال الموارد الطبيعية والمادية. وبالتالي فإن التأسيس لبُعدٍ جوهري قوامه الاقتصاد المعرفي في التنمية البشرية في البلدان العربية يمثل المرتكز الأساسي في التنمية الاجتماعية والاقتصادية المنشودة.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com