الإبادة الجماعية الثقافية في شينجيانغ

في عام 2017 بدأت الصين في بناء شبكة ضخمة من معسكرات الاعتقال في منطقة شينجيانغ ذاتية الحكم لقومية الأويغور في شمال غرب الصين. ويتم فيها احتجاز أكثر من مليون من الأويغور والكازاخ الأصليين دون محاكمة. وتصوِّر الصين هذه المعسكرات بأنها (مراكز تدريب مهني) حميدة! لكن الشهادات تكشف عن نظام وحشي لتلقين الأفكار السياسية وجلسات النقد الذاتي، والظروف المزدحمة، والغذاء غير الكافي، والتعذيب الجسدي.
أما خارج المعسكرات فيُطلب من الناس حضور الاجتماعات السياسية ودروس اللغة الصينية أيضاً. كما صودرت جوازات السفر، وأصبحت الاتصالات بالخارج مقيَّدة للغاية، ويلزم الحصول على إذن خاص لمغادرة البلاد. والقيود الدينية صارمة لدرجة أن الحكومة قد حظرت الإسلام فعلياً.
وقد أنشئت شبكة عالية التقنية من نُظُم المراقبة لضمان الامتثال للقيود الجديدة. ويتم إرسال الأطفال الذين يتم نقلهم إلى المعسكرات إلى دُور الأيتام، وتقوم الصين بإعادة توطين البالغين الذين تمت (إعادة تأهيلهم) أيضاً، وإرسالهم سراً إلى السجون في شمال شرق الصين.

الإبادة الثقافية

وتصف الصين هذه الإجراءات بأنها ضرورية لمكافحة التطرف الإسلامي، ولكن الأعداد الضخمة المعنية، واحتجاز العديد من قادة الثقافة الأويغورية من الكتاب والشعراء والأكاديميين والناشرين والمغنين والكوميديين تشير إلى أنه تم تصميم المعسكرات للقضاء على اللغات والثقافات المحلية؛ لإعادة تكوين شعوب المنطقة كمواطنين صينيين علمانيين و(وطنيين). ويطلق الأويغور في المنفى على الوضع الآن أنه حالة من الإبادة الجماعية الثقافية.
وكباحث على المدى الطويل لثقافة الأويغور، سأتحدث عن الموجة الأخيرة من حالات الاختفاء لفنانين بارزين من الأويغور في ديسمبر 2018، من بينهم مَن تعاون على المدى الطويل والمغنية صنوبر تورسون.
التقيت للمرة الأولي بصنوبر في صيف عام 2000، بعد إصدار ألبومها الأول، عندما كانت في ذروة شهرتها. وفي الوقت الذي سافرتُ فيه إلى جنوب شينجيانغ، كان صوت صنوبر يملأ بازارات المدينة ويصدر من سيارات الأجرة المحلية والحافلات على مسافة طويلة. كانت مغنية مبدعة، والأفضل في جيلها، وكان ينبغي معاملتها ككنز وطني، ولكن السلطات كانت دائما ما تشك في تأثيرها، وبذلت قصارى جهدها لمنعها في كل مناسبة.
وقد تداخلت مهنة صنوبر مع فترة مضطربة في التاريخ الحديث لمنطقتها. وسرعان ما جاءت هجمات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك وإعلان أميركا ما أسمته (الحرب العالمية على الإرهاب). وفي أعقاب ذلك، أعلنت الصين حربها الخاصة على التطرف الديني والإرهاب في شينجيانغ، وبدأ انحدار المنطقة في العنف والقمع.
وأعربت أغاني صنوبر للشعب الأويغوري عن المشاعر التي لايمكن أن تقال بصوت عال. وتحدثت معي عن كيفية اختيارها للكلمات بعناية، وكان الشعراء المعاصرون يضعون الكلمات غالباً. وكانت حذرة دائماً وحاولت ألا تتخطى الحدود التي وضعتها السلطات، ولكنها أرادت أن تتحدث أغنياتها عن جمهورها وإلى شعبها. وقد فهمت سلطتها عليهم وقالت لي باعتزاز كبير عن حفلاتها في الجنوب الريفي، والتي اجتذبت آلاف الجماهير.
وفي عام 2009 قضيت الصيف في المناطق الريفية بشينجيانغ، وجاءت صنوبر للزيارة. كانت القرية بأكملها مزدحمة في بستان الأسرة للاستماع لغنائها. وجاء حتى المشايخ والسيدات المتدينون وجلسوا على مقربة منها على قدر المستطاع، يستمعون لها باهتمام شديد. وتنازعت العائلات من أجل شرف استضافة صنوبر. ولم أستطع عَدَّ الأغنام التي ذبحت لشرف أن تتذوقها شفتاها.
وقالت إنها بدأت في السفر بتقديم الحفلات الموسيقية بصفة منفردة في تركيا وأوروبا والولايات المتحدة. وقد رعتها مبادرة الأغاخان للموسيقى، وعملت مع كبار الفنانين من المناطق المجاورة. وقد قامت بالغناء في مهرجان (قونيا) الموسيقي الصوفي بتركيا، وتعاونت مع الصينية الموهوبة بيبا وو مان، وجالت في رحلات في الصين وعلى الصعيد الدولي. وتم تعزيز شهرتها كقاضية للتحكيم في برنامج المواهب (صوت شينجيانغ من طريق الحرير).

تقسية شينجيانغ

في عام 2016، ومع بداية اشتداد الوضع السياسي في شينجيانغ بدأت في رفض الدعوات للغناء في الخارج. وكان الكثير من الصينيين يسافرون إلى الخارج للدراسة أو السياحة، ولكن بالنسبة للأويغور فإن الاتصالات الأجنبية أصبحت مشبوهة. وبما أن الزعيم الصيني (شي جين بينغ) قد أحاط شينجيانغ بجدران من الفولاذ تعبيراً عن شدة القمع، وأخضع شعبها لنظام مكثف من المراقبة والتوريق التي لا مثيل له في العالم، فقد قمت بقطْع كل علاقاتى مع صنوبر، خوفاً من تعَرُّضها للخطر حتى من مكالمة هاتفية.
وبما أن أخبار معسكرات الاعتقال بدأت في الظهور وعلمنا بضم الفنانين والمثقفين البارزين من بين الملايين من الأشخاص المحتجزين إليها، فلايمكننا إلا أن نأمل في أن تقوم شهرة صنوبر بحمايتها. ويبدو الآن أن الأمل كان عبَثاً، حيث نشرت الأخبار عن احتجازها والحكم عليها في ديسمبر الفائت بالسجن لمدة 5 سنوات. ولم تكن هناك تهمة رسمية كالعادة، ولا حتى إعلان عن احتجازها.
ومن خلال ما عرفناه من الظروف داخل المعسكرات، من المرجَّح أن تكون صنوبر محتجزة في زنزانة مكتظة وغير صحية إلى جانب ما يصل إلى 60 من النساء الأخريات اللاتي لديهن مساحة للنوم فقط في نوبات. وتقضي الأيام في نظام رتيب من غناء الأغاني الثورية الصينية، ودراسة اللغة الصينية وفكر (شي جينبينغ)، وفي جلسات النقد الذاتي التي يُطلَب منهم فيها التنديد بدينهم وثقافتهم.
ويخضع المحتجزون للمراقبة المستمرة، ويضطرون إلى الجلوس بلا حراك وأيديهم على المكاتب، خلال جلسات دراسية تستغرق أربع ساعات. ويُعاقَب على عدم الامتثال بالحرمان من الغذاء. وهناك تقارير مروِّعة عن وجود أشكال غير معروفة من الأدوية التي يتم إجبار المحتجزين عليها قسراً، والعنف والتعذيب، والانهيارات العصبية، وحالات الانتحار والوفيات.
ولاينبغي حتى لأكثر المتطرفين عنفًا أن يخضعوا لنوع المعاملة التي يتعرضون لها في هذه المخيمات، ولكن كما توضِّح قضية صنوبر فإن الاعتقالات الجماعية في شينجيانغ بعيدة عن الاستجابة المستهدَفة للتطرف الإسلامي التي تزعم الحكومة إنها تسعى إليه.
جاء سقوط صنوبر السريع من الشهرة إلى معسكر الاعتقال إلى جانب موجة من التقارير عن الفنانين المعروفين الذين يتم اعتقالهم. ولدينا أخبار واضحة تشمل الكوميدي المحبوب عادل ميجيت، ونجمة البوب المخضرمة رشيدة داود، والمغني الشاب زاهير شاه الذي جاء إلى الشهرة من خلال برنامج صوت طريق الحرير، والمغني الشعبي المخضرم بردي محمود الذي كانت شرائط الكاسيت الخاصة بأغانيه من كاشغر الساحرة تشرق مشهد ما بعد الثورة الثقافية في ثمانينيات القرن الماضي.
ويمكننا أن نستخلص استنتاجين من هذه القائمة الأخيرة للاحتجاز. أولاً: لايوجد أويغوري آمن من المعسكرات مهما كانت شهرته أو شعبيته الكبيرة. إن مستويات الرعب داخل المنطقة لايمكن أن ترتفع فيها أية احتجاجات أو أصوات معارضة.
ثانياً: من الواضح أن هناك سياسة متعمَّدة تستهدف القادة الثقافيين من الكُتَّاب والأكاديميين والفنانين، وبالإضافة إلى تهمة الإبادة الجماعية الثقافية التي تثار الآن من قبل الأويغور في المنفى.
وقد تركت صنوبر إرثاً دولياً هادئاً، وآمل أن لاتنساها المنظمات التي رعتها والجماهير التي استمتعت بموسيقاها، حيث أصدرت قرصاً مضغوطاً في إيطاليا بعنوان الأمل (آرزو)، وقد تم تكييف أغانيها لصالح (كرونوس كوارتيت).
وآمل أن يغتنم الناس الفرصة لدعوة الحكومة الصينية للإفراج عن صنوبر تورسون أينما عُزفت موسيقاها، وإغلاق معسكرات الاعتقال في شينجيانغ.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com