الإخوان والعنف..!

في 13 فبراير 1946 كتبت جريدة (النيويورك بوست) الأميركية عن مراسلها في القاهرة: «زرت هذا الأسبوع رجلاً قد يصبح من أبرز الرجال في التاريخ الحاضر، أو قد يختفي اسمه إذا كانت الحوادث أكبر منه». وفي ذات اللقاء سأل المراسل الشيخ حسن البنا: هل أنتم مسلحون؟ فأجاب: نعم.. بسلاح الإيمان.
والعجيب أنه بعد خمس سنوات من اللقاء كتب الصحفي نفسه لجريدة (النيويورك كرونيكل) الأميركية أيضاً معقِّباً على لقائه: «هذا ما كتبته منذ خمس سنوات، وقد صدَقتني الأحداث فيما ذهبت إليه، فقد ذهب الرجل مبكراً، وكان أمل الشرق في صراعه مع المستعمر».
ويروي الشيخ محمد متولي الشعراوي قصته عندما كان (وفدياً) وسمِع عن الشيخ حسن البنا، فحضر له درس الثلاثاء، وفي يوم الزيارة هذه أرسل الوفد شابين لاغتيال الشيخ حسن البنا في الدرس، فانتبه مسؤولو المركز لتحركات الشابين عند المدخل، وقبضا عليهما، واحتجزوا السلاح، وأودعوهما غرفة الشيخ حسن. وبعد الدرس أخبر المسؤولون الشيخ حسن بالأمر، فقام مباشرة بالاتصال بمسؤول بالوفد، وقال له: «عندنا شابان من طرفكم، فإن شئتم أتيتم لتَسَلُّمِهِمَا، أو أرسلناهما لكم». ولم يزد على ذلك شيئاً كما يروي الشيخ الشعراوي، وقصته في الكتاب العظيم (وعرفت الشعراوي) لمرافقه د. محمود جامع.
إن من كانت هذه صفاته وأخلاقه لايمكن أن يتورط في أحداث عنف، أو دعوة إليها. وكم التزم الشيخ حسن البنا وجماعته الصبر الطويل والمرير، حتى قال أحد رموزهم، وهو الشيخ القرضاوي: «صبرنا إلى أن ملَّ من صبرنا الصبرُ».
ومن قرأ الكتاب الأخير (الإخوان المسلمون في سجون ومعتقلات مبارك) للأستاذ: عامر شماخ، وما فيه من وثائق عن كل حادثة بالتفصيل، ثم تابع بدقة ما يجري بعد تولِّي حزب (الحرية والعدالة) الرئاسة ممثلاً في منتخَبه الرئيس محمد مرسي، وعدم انجرارهم إلى العنف، رغم أنهم في أعلى هرم السلطة، واستشهاد 10 من خيرة أبنائهم في حادثة قصر الاتحادية، وجرح 700 منهم، ثم الحادث الأخير في المقطَّم، وقد تعرض عدد منهم للحرق نتيجة المولوتوف الحارق. ثم من تابع تعليقات مسؤولي الإخوان والحرية والعدالة، ولغة التعقيب القوية على الحادثة، التي لم تزد على مخاطبة الداخلية، أو النيابة، وقوى المعارضة، كل منهم بما يستحقه من تعليق على واجباتهم، والأمانة التي عليهم، يستوعب بجلاء الحقيقة عملياً لا نظرياً، ويستبصر بعقله وعينه موقف الإخوان، لا من خلال صور مشوهة، وأحداث مزيفة، ومواقف نادرة غامضة، بل من خلال حقائق تنقلها الصورة ثانية بثانية؛ لتعرف الجماهير والأجيال الحقيقة كاملة.
إن الإخوان المسلمين قطاع مؤمن من عامة مؤمني مصر الأطهار، وشعبها المسالم المناضل الحر، وهو جزء من حِراك المجتمع المصري الذي كان نموذجاً في طول معاناته وتحَمُّله، ثم تضحيته السلمية لرفع الضُّر عن الشعب الذي سُرِقت حقوقه، وتأخرت عافيته.
وأما منظِّروهم فلم يبرحوا منابرهم الفكرية، ومواقعهم المركزية، واقفين ضد العنف وطرائقه، وشروره ومداخله. تجدهم في كل محفل دولي ومحلي يتكلمون، وفي كل كتاب فكري وتاريخي لايستنكفون ذكر العنف وقصصه حتى لو فعله من هو محسوب عليهم قبل انفصاله عنهم بسنين.
بل تجد كل منظِّريهم يُصرِّحون في الوقت الذي كان فيه غيرهم يتوقف أو يُلمِّح في عنف الآخر المسالم أيَّاً كان دينه ومذهبه!
ونظرة ولو أوليَّة على موضوعات مؤتمراتهم ومشاركاتهم فيها، وعناوين مؤلفاتهم، توضِّح حجم الجهد الهائل لترسيخ الوسطية والاعتدال، فكراً وممارسة، بناصع الأدلة، وحقائق التاريخ.
أما إذا نظرنا إلى تجربتهم السياسية في الحكم؛ فإن تجربتهم تتفاوت من دولة لأخرى، كما هو الحال في تونس ومصر واليمن وليبيا والسودان و….
فمنها تجارب ناجحة وجيدة – على تفاوت – بحكم الخبرة والظروف، ومنها تجارب شبة فاشلة بحكم الترهُّل والظروف أيضاً.
كل هذا يمكن المصارحة فيه والكتابة عنه بموضوعية وشفافية، ولكن هذا كله لايلغي مجموع فكر الإخوان المسلمين كفكر، وهدف لخدمة الإسلام. وتجاربهم العملية والإنسانية والقيمية لايكابر بذكرها ونُبل أصحابها إلا جاحد أو ناقم. والعصمة لهم داء، وتجاوز بعض مشكلات القيادات أو التوجهات مَرض.
وهم كغيرهم من الجماعات الكبرى والناجحة أصحاب مشروعات وتجارب تُدرس في حقل العلوم السياسية والإنسانية والاجتماعية والشرعية وسواها، لمن أراد أن يُنصف، ويعرف مسارات خبرتهم وعطاءاتهم.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com