الاهتمام السطحي والمزيف بقضايا الأمة الإسلامية

لاشك عندي أبدًا ولاريب بأن الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها وطغيانها الكبير الذي حصل في السنوات القليلة الماضية كان له الدور الأكبر في نقل المعلومة واستقبالها عبر شريحة كبيرة من المجتمع ربما كانت مُغيَّبة بطريقة أو بأخرى. كلامي يخص بشكل خاص شريحة الشباب الذين كانوا منشغلين بالأمس بنتائج المباريات فقط أو بألعاب الفيديو وبتزيين السيارات وبالسفر وبالجلوس في المقاهي لساعات طويلة، حيث أصبح الشباب الآن على علم بكل ما يجري في العالم من متغيرات رغم انشغالهم وانهماكهم في تلك الأمور، لكنهم أصبحوا يتلقون الخبر من خلال ضغطة زر واحدة ويعيدون نشره بضغطة زر أخرى، ثم يكملون لعبهم ولهوهم وانشغالهم بأمورهم. إذ لم يعد الشاب – من وجهة نظر البعض – بحاجة إلى أن يجلس ساعة كاملة لمشاهدة نشرات الأخبار ويتابع مستجدات الأحداث العالمية وقضايا الأمة الإسلامية على وجه الخصوص كي يعلم بما يجري من حوله.
فبوجود وسائل التواصل الاجتماعي هذه لم يعد بإمكان أحد والشباب بالذات أن يبرروا عدم قدرتهم على متابعة ما يجري من أحداث ومستجدات ولاسيما الأخبار المتعلقة بدول العالم الإسلامي وما يجري فيها من حروب ونزاعات. وباتت القنوات الإخبارية تتنافس فيما بينها في سرعة توصيل الخبر والمعلومة، كما أن هناك العديد والعديد من التطبيقات التي تعنى بنشر الأخبار العاجلة بطريقة يسيرة وفورية.
وفي ظل كل هذا، يتشارك الناس (والشاب خاصة) في نشر هذه الأخبار سواء كانت صحيحة وموثوقة أو مجرد إشاعات، فيتم تناقلها لتنتشر على نطاق واسع ومهوول قد يتعدى حتى حدود البلد نفسها، وهذا أمر غير مستغرب ولايمكن السيطرة عليه مهما حاولنا في ظل العولمة التي نعيشها.
ما جرَّني لذكر كل ما سبق هو ظاهرة وأقولها مدركًا بأنها ظاهرة فعلاً وأصبحت متفشية بيننا كشباب، وهي ظاهرة الاهتمام السطحي بقضايا الأمة الإسلامية! وكي أكون منصفًا لن أعمم ذلك على جميع شريحة الشباب إنما نسبة كبيرة منهم.
الاهتمام السطحي أعني به هنا الاهتمام غير النابع من فهْم حقيقي لجوهر المشكلة وتاريخها وسطحية المعلومات المتوفرة، بحيث يكون اهتماماً مزيفاً في كثير من الأوقات لاينبع من القلب، وما لاينبع من القلب هو إمَّا نفاق أو مجاملة أو قد يكون تقليدًا أعمى، ولا خيار رابعاً لذلك.
أستطيع أنْ أرى نظرات التعجب والاستغراب بل نظرات الغضب ربما منك أيها القارىء العزيز، لكن هذا هو الواقع المرير الذي دعاني لكتابة هذه الأسطر هنا، ودعني أفسر لك ذلك. فاهتمام الشباب بالأحداث السياسة وقضايا العالم هو بلاشك محل فخر ودليل وعي وثقافة ونضج، إنما أنْ يكون هذا الاهتمام سطحيًا أو مزيفًا فهو يقينًا اهتمام يُشعِرنا بالخزي والدُّنُو.
فالاهتمام الفعلي لايقتصر على نشر دعاء لمأساة حلب – على سبيل المثال – (نسخ ولصق) كبرودكاست في قروبات الواتساب دون قراءته حتى! إنما يكون بالدعاء لهم فعليًا في سكون الليل وفي قنوت الفجر.
الاهتمام الحقيقي لايكون بنشر صور لأطفال سوريا أو العراق في الانستقرام وهم يبادون ويُجوَّعون دون دراية وعلم بمن يبيدهم وكيف ومتى! فرحين فقط بازدياد عدد اللايكات على الصوروازدياد عدد المتابعين! إنما الاهتمام يكون بسرعة الذهاب والتبرع لأولئك الأطفال والأيتام والأرامل حيث لا سبيل لإغاثتهم إلا هذا السبيل.
الاهتمام بقضية فلسطين لايكون بتعليق صورة قبة الصخرة في المنزل معتقدين بأنها تمثل المسجد الأقصى فقط! ونحن لانفقه شيئًا في تاريخ القضية الفلسطينية ولا أبعادها المتشعبة، إلى درجة أنْ سألني أحد الأصدقاء منذ فترة عن موقع قطاع غزة في خارطة العالم، فأعلمته به بعد أن اكتشفت اعتقاده بأنها تقع في مصر! إنما نصرة قضية فلسطين تكون بمناصرة الشعب الفلسطيني بكافة الوسائل الممكنة ومنْع كل مظاهر التطبيع مع العدو الصهيوني.
ويؤسفنا ويحزننا حقًا ما تقوم به بعض الأندية أو المنتخبات أو حتى بعض المؤسسات الحكومية وغير الحكومية بالذهاب إلى فلسطين المحتلة والقدس بالذات عبر بوابات العدو الصهيوني! أو استقبال وفود صهيونية هنا في مملكة البحرين!
وكذلك الاهتمام بالانتخابات الأميركية الفائتة على سبيل المثال، لايعني ترقُّب الخطابات الجماهيرية لكلا الطرفين وتناقل الصورة المضحكة والساخرة لهما إنما بمعرفة توجهات الحزبين المتنافسين (الجمهوري والديموقراطي) ومعرفة تداعيات فوز أحدهما على المنطقة العربية والشرق الأوسط.
كما أن المشاركة في المظاهرات والمسيرات السلمية إنْ قامت لايعد دليلاً على الاهتمام الحقيقي، فكم من شخص شارك في المظاهرات وهو لايدري ما أهدافها، ولربما شارك فقط ليثبت لأصحابه بأنه شارك عبر التقاط صورة سيلفي!
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي نراها يوميًا ونستغرب منها بشدة حول مدى سطحية الشباب واهتمامهم المزيف رغم صعوبة وثِقَل هذا الوصف، إلا أنها الحقيقة. وليسأل كل منا نفسه ليرى مدى سطحية معلوماته، وهذا لاينكر حقيقة وجود جموع كبيرة من الشباب والشابات ممن يقومون بأعمال كبيرة وكل في مجاله من أجل مناصرة قضايا العالم العربي والإسلامي ونشرها للعالم أجمع من خلال بعض التصاميم الإبداعية والفيديوات المتميزة والأناشيد المؤثرة وغيرها من الأمور التي نتابعها ونفخر بها في وسائل التواصل الاجتماعي.
على أن الغالب الأعم من شريحة الشباب تكاد سطحيتهم تطغى بشكل كبير وتتضح تمامًا من خلال تصرفاتهم. نعم هي وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلتنا سطحيين هكذا في تعاملنا مع جميع الأخبار، وأصبحنا لانجد وقتًا للتعمق في المسائل ودراستها وتحليلها، وصرنا ننقاد بكل سهولة مع عالم السرعة والخبر العاجل لتتشكل في أذهاننا وعقولنا اعتقادات قد تكون خاطئة ولا نصيب لها من الصحة، فقط لأننا لم ندَع مجالاً لعقولنا أنْ تفكر وتدرك وتتريث، إنما ما يهمنا فقط هو السبْق الصحفي ليس إلا! وكأننا مندوبون في إحدى القنوات الإخبارية أو إحدى الصحف أو الجرائد.
سهم في الرأس
أصبح معظم الشباب في أيامنا هذه إمَّا محلل سياسي أو ناقد أو راصد، وهو (ما له في الغنم تيس)!

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com