البداية تكمن في تغيير الأسئلة

إذا كان فيلسوف اليونان (لوقين) قد قرر منذ بدايات التاريخ الميلادي أن البداية هي نصف كل شيء وأن السؤال نصف المعرفة، فإننا نجد أن البشرية لم تتقدم إلا عندما بدأت في تغيير نوعية الأسئلة ووضع كل المسَلَّمات موضع السؤال حتى يثبِتَها العلم، فإذا كان السؤال عند الإنسان القديم مثلاً هو: لماذا الأرض مسطَّحة؟ فإن السؤال الذي طرحه العالم: هل الأرض مسطَّحة فعلاً؟ واذا كان سؤال الأوَّلين هو: لماذا يتوالى علينا الليل والنهار؟ فإن السؤال الذي بدأ معه علم الفلك هو: هل هناك شمس واحدة أم هناك شموس متعددة؟
ما حاجة العالم السائر في طريق النمو إلى طرح مثل هاته الأسئلة والاهتمام المتوالي بالبحث عن إجابات علمية، وإبداع طروحات جديدة، والتنقيب عن موارد مالية تدعم الأبحاث التي تسير في اتجاه إثباتها او دحضها من أجل تثبيت قواعد علمية جديدة ومبادىء نوعية لتفكير جديد وتربية أخلاقية حديثة مؤسَّسة على ميثاق عالمي لأخلاق كونية متفَق عليها عند كل أتباع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفلسفية والدينية والسياسية والإثنية على حد سواء؟
ما أصغر عالم اليوم حين اتصلت أطرافه بعضها بعضاً بفضل ثورة الاتصالات السلكية واللاسلكية الحديثة، وليس أجد فرصة أكثر للتواصل العلمي الجاد أكثر من عصرنا الراهن الذي يوفر أكبر حظوظ النهضة العلمية بفضل التضافر والتعاون الذي يحصل بين الباحثين اليوم، فما أكثر المعاهد والجامعات والمؤسسات الداعمة عبر العالم، وما على الباحث الرصين إلا إحسان طرح السؤال، والأهم في نظر (إلبرت أينشتاين) هو ألا نتوقف عن السؤال.
إن السؤال هو بداية العلم، ووجدان الجواب يجعلك تجد نفسك في بداية طرح سؤال آخر، وبشأن ذلك يقول الكاتب الأميركي الشهير (بول أوستر) «كلما اعتقدت أنك تعرف جواب السؤال، تكتشف أن السؤال لا معنى له!»، لكن هذا الاكتشاف يحصل للحاذق النبيه، أما الإنسان العادي فقد يقبع سجين إجابته. ولنفهم هذا المعنى تحضرني قولة الكاتب السعودي (عبده خال) «السؤال يمنحنا جناحين للتحليق بعيداً، أما الإجابات فهي شرَك، نظل بقية العمر نحاول الفكاك منه». وهذا المعنى الذي يعيشه العالم في ترَقِّيه الفكري في طرح الاسئلة هو نفسه يحصل لصاحب المعراج الروحي في مقامات المعرفة الصوفية حيث يعبر عنه حادي القوم بقوله:
فإذا بالفناء قد صار وهماً***قد عراني كسائر الأوها
بمعنى أن الصوفي والعالم كلاهما يشتركان في أن كل وصول إلى إجابة هو بداية لسؤال جديد ومفتاح لفهم أكثر جِدَّة، ولهذا قرر الأديب (نجيب محفوظ) في روايته (عبث الأقدار) أن «السؤال هو خلاصة الحياة الروحية».
ولاشك أن البحث العلمي والتأمل الإشراقي كلاهما جناحان للتحليق في الأعالي الفكرية من أجل رؤية جديدة للكون، تجعل هذا الأخير مطيَّة لمعرفة الحق المتجلي في مخلوقاته.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com