البرتقال يُزهِر على ضفاف العاصي

إلى أستاذنا الفلسطيني عبدالوهاب العباسي بعد أربعين عاما يرحمه الله حياً وميتاً.
لازلت أذكر وأنا التلميذ الصغير يوم قدِمتَ إلى مدرستنا كيف اشرأبت الأعناق، وتطاول الصغار لينظروا إلى المدرس الجديد وقد جلس في غرفة المدير، ثم تدخل إلى فصلنا وتبدأ الحصة الأولى وتبادرنا بسؤال قبل أن تعرِّفنا بنفسك: هل تعرفون فلسطين؟ وارتسمت في أذهاننا كل المعلومات التي تلقيناها في الصف الخامس من كتاب فلسطين العربية، وترتفع الأيدي وكانت كثيرة وتتنوع الإجابات وكانت صحيحة، ثم تلقي السؤال الثاني: هل رأيتم فلسطينياً؟ وتبرز في ذهن تلميذك الصغير صورة الشيخ أبي يوسف إمام مسجد حيِِّه الصغير الذي يحبونا بحبَّات التمر كلما رآنا خلفه نصلي. ولم تنتظر جوابنا طويلاً حتى مضيت قائلاً: أنا أستاذ الجغرافيا عبدالوهاب.. من فلسطين.
ولكَم كانت فرحتي كبيرة، فلقد أضفت إلى معلوماتي شيئاً جديداً عن فلسطين كتاب الصف الخامس، وفلسطين الإمام أبي يوسف.. وراحت أناملك الرشيقة ترسم لنا خريطة فلسطين في السبورة، وارتفعت همسات الإعجاب، وحدََّق التلاميذ مندهشين! إنه يرسم دون أن ينظر في الكتاب، إنها أجمل من الكتاب نفسه!
ورأينا نحن الصغار فلسطين رؤية جديدة، لم نكن رأيناها من قبل وتطاولْتَ على رؤوس أصابعك لتكتب بخط جميل في أعلى السبورة: فلسطين العربية.. عاصمتها القدس.. عدد سكانها… مساحتها… وكلما تطاولْتَ أكثر ارتفعت السترة وبرز لأعيننا مفتاح عُلِّقَ في الجيب الخلفي، وازداد اللغط: مفتاح.. مفتاح! وراح الصبية الصغار يدققون في كل كلمة وكل حركة حتى تنتهي من تسجيل ما تريد.
ثم تلتفت إلينا لتقول: ألم تروا مفتاحاً من قبل؟ إنه مفتاح بيتي في فلسطين، أحمله منذ عشر سنين.
ويدور في ذهن التلاميذ سؤال لم يجدوا له جواباً: لماذا ترك بيته في فلسطين وأحضر معه المفتاح فقط؟! وكأني بك قد فهِمتَ ما يدور في أذهانهم، فأفضت في الشرح والتعريف بفلسطين تراثاً عظيماً وشعباً مشرَّداً ونكبة نزلت بأهلها وحنيناً يبدو في كلمات كأنها صيغت من فتات القلب المشوق، وكان جواباً وأي جواب!
وازداد التلاميذ معرفة بأستاذهم وبفلسطين وحباً وإعجاباً بهما، وتوالت الحصص، وتأتي مناسبة يوم الشجرة فتحدثنا عنها، ثم تسأل: بماذا تشتهر فلسطين؟ ثم تزفر زفرة طويلة: هل تعرفون البرتقال اليافاوي؟ ويأتيك الجواب: نعم نعرفه. وتصبح فلسطين في ذهن تلميذك الصغير كتاباً وإماماً وخارطة ومدرساً للجغرافيا ومفتاحاً وشعباً مشرَّداً ونكبة وبرتقالاً. ويمضي تلاميذ المدرسة إلى ضفاف العاصي ويأخذ كل مدرس تلاميذه ليزرعوا. وتختلف المزروعات ويندهش المعلمون حين يرونك مع تلاميذك الصغار تغرسون شجيرات البرتقال فيُسِرُّ بعضهم ويُفصح آخرون: إنه لايزهر.. ونمضي معك غير آبهين نرد التراب على الغراس. وتمضي أعوام ويصبح تلميذك الصغير معلماً في المدرسة ذاتها، ويرسم لتلاميذه فلسطين بالحروف والكلمات وقد رَسَمْتَها له من قبل خطوطاً وألواناً، وتضاف إلى معلومات تلميذك المعلم أشياء عن فلسطين كثيرة فهي لم تعد إماماً ومعلماً ومفتاحاً وبرتقالاً. ففلسطين، دير ياسين، وكفر قاسم، والمسجد الأقصى، وملايين المشردين.. فلسطين نكبة حزيران (يونيو)، وتل الزعتر، ومذابح المخيمات، و… و… وتآمر الـ…
ويترسم تلميذك المعلم خطاك فأحبََّ فلسطين وزرعَ لتلاميذه البرتقال في يوم الشجرة وأُخرجَِ من بيته وقد أُخرِجتَ من قبل، ورأى بعينيه مَنْ يفعلون أفعال اليهود وهم يرتدون لبوس الوطن، فأحرقوا المنزل الذي كان يؤويه وقد تركه ولم يأخذ المفتاح ويمم وجهه شرقي العاصي كما يممتَ وجهك شرقي نهر الأردن، وقبل أن يمضي في طريق هجرته ألقى نظرة على ضفاف العاصي فرأى الغراس الحبيبة وقد أزهر البرتقال فيها وبرعم!

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com