البطانة الصالحة والبطانة الخبيثة

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضُّه عليه، والمعصوم من عصَم الله تعالى).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق، إنْ نسِيَ ذكَّره، وإنْ ذكَرَ أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إنْ نسِيَ لم يُذَكِّره، وإنْ ذكَر لم يُعِنه».
نسمع كثيراً من أئمة المساجد دعوتهم الله تعالى في خطبة الجمعة لولي الأمر أن يسدد الله خطاه لِما يحب ويرضى، وأن يرزقه البطانة الصالحة التي تعينه وتنصحه لما فيه مصلحة الوطن والمواطن وخدمة الدين، وتبعده عنه البطانة الخبيثة، ونحن نأَمِّن على الدعاء. لكن هل سألنا أنفسنا يوماً من هي البطانة الصالحة أو الخبيثة؟ وهل البطانة مقتصرة ومحصورة على من هم تحت الحاكم أو الملك أو الأمير أو رئيس الدولة؟ والأهم هل نحن أيضاً نندرج تحت مسمى البطانة؟!
من ينظر إلى واقعنا الحاضر يجد أننا جميعاً نندرج تحت مسمى البطانة، وتختلف نوعيتنا باختلاف أماكننا، فبعضنا موظفون عاديون وبعضنا رؤساء أقسام وبعضنا مديرو إدارات، وتتدرج الوظائف إلى أن تصل لحاكم الدولة، وعليه فإننا وبحسب وظائفنا إما أن نعمل وننصح من هم أعلى منا ونرفع لهم اقتراحات تساهم في خدمة الوطن والمواطن ورفع مستوى كفاءة العمل، ونكون بذلك من البطانة الصالحة، وإما أن نقترح ما هو ضد ذلك ونزين المقترح والتوجه غير النافع حتى تتم المصادقة عليه ويتم اعتماده، فنكون من البطانة الفاسدة. أو أننا نقف مع المواطن الذي يرغب في إنجاز عمل معين له فنسعى لمساعدته وننهي معاملته برفعها للمسؤول الأعلى لإنجازها في أسرع وقت ممكن، أو بالعكس نقف في وجه المواطن ونعيق إنجاز معاملته ونضع له العراقيل بحجج مخالفة القانون وعدم مطابقتها للاشتراطات المقررة، أو عدم السماح له بمقابلة المسؤول الذي من ضمن صلاحياته إمكان تجاوز بعض الموانع.
وبالطبع تختلف درجات الصلاح والفساد بحسب موقعنا من الوظائف التي نعمل بها، فمن يعمل تحت إمرة رئيس قسم بسيط في إدارة متواضعة يختلف عمن يعمل تحت إمرة رئيس الدولة مباشرة ويمكنه أن يوصل معاملة المواطن وصوته إليه بيسر وسهولة.
وإذا كانت البطانة الخبيثة بهذا الوصف المبسط فهي لاتترك أثرها السيء على المواطنين فحسب بل ستقضي على أجهزة ومؤسسات الدولة وتتعدى ذلك، فمن خلال قراءة التاريخ السياسي قديماً وحديثاً اتضح أن البطانة الخبيثة أداة في هدم الدول وأنظمتها السياسية، لأن هذه الفئة من الناس تتجاوز العدل والأمانة والصدق والأخلاق أو التحلي بالمسؤولية الوطنية. فإذا كانت لك بطانة فأحسِن اختيارها، واعمل بما يشير أفرادها عليك من الخير، وإذا كنتَ بطانة لغيرك فكن صريحاً صادقاً أميناً وأبشر بكل خير.
فبِخُلُق البطانة تُكشَف الأقنعة الكاذبة وتتكشف الحقائق، وعلى الإنسان أن يتذكر أن الكرسي والمنصب لايدومان لأحد، وفي يوم ما سوف يغادرهما، فاترك وراءك ذكرى طيبة، واجعل دعاء الناس طريقاً لك إلى الله، فكم من مسؤول حي لايُذكر بخير والناس تدعو عليه، وكم من ميت ذكراه خالدة بفضل دعاء الناس له، فاللهم أحفظ بلادنا وبلاد المسلمين كافة من شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن، وارزق مليكنا حمد بن عيسى آل خليفة ورئيس وزرائه وولي عهده حفظهم الله البطانة الصالحة التي تدلهم على فعل الخير وتبعدهم عن الشر.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com